انا مش هجيب التموين
حق التموين حكايات منى السيد
أنا مش هجيب التموين تاني …الجملة دي قلتها لحماتي بهدوء، وجوزي يمد إيده عليا قدام عيالي وأهل البيت…!!!
كل أول شهر كان بيمر عليا كأنه كابوس محتوم. تليفون حماتي يرن، وصوتها الآمر اللي ميعرفش كلمة لو سمحتي انزلي يا نرمين هاتي تمويني معاكي، ومعاه بطاقات إخوات جوزك.. ما إنتي نازلة نازلة!
كنت باخد في إيدي تلات بطاقات، غير بطاقتي. طابور طويل، وعفار، وخناقات البقالين، وأنا واقفة شيالة شايلة هم مش همي. مش بس مجهود وشيل كراتين، ده أنا اللي كنت بدفع ضربة البطاقة من مصروفي، وادفع حق التوك توك رايحة جاية.. يعني دافعة من جيبي وصحتي لوجه الله عشان أكسب رضاها ورضا جوزي… بس الرضا كان أبعد ما يكون.
السيناريو المحفوظ اللي كان بيقطع في كرامتي بيبدأ أول ما أفتح باب شقتها وأحط الكراتين على الأرض وأنا بلهث. توطي حماتي، تفرد صوابعها، وتبدأ تفرز الحكاية بنظرات شك تخرم العين إيه ده؟ فين باكو الشاي التاني؟ البقال بيطلعلي أكتر من كده! والأزازة دي ليه صغيرة مش اللتر الكبير؟ ناقص كيس مكرونة يا نرمين.. إنتي كالعادة لطشتي الفرق في جيبك!
كل شهر، قدام سلايفي، وقدام ولادها الرجالة، وقدام عيالي الصغيرين.. أقف مذهولة، وشي يحمر، وأحلف بالله إني ما لمست مليم ولا بدلت كيس يا حماتي حرام عليكي، الفاتورة أهي، أنا دافعة كمان من معايا! ترد باستهزاء فواتير إيه يا أم فواتير، هو أنا غشيمة عن حركاتك؟
لحد ما جه الشهر ده.. دخلت عليا وبترمي التلات بطاقات في حجري خدي يختي، الحقي البقال قبل ما الزيت يخلص. في اللحظة دي، حسيت بحاجة طقت في نافوخي. بصيت للبطاقات ولإيديها، وقلت بهدوء غريب لأ يا حماتي، معلش.. مش هروح. لو عايزة تعالي معايا، وأنا أشيل لك التراب من تحت رجليكي لحد البيت، لكن رجلي مش خطوة للبقال لوحدي.. أنا مش حرامية، ومش هقف الموقف ده تاني.
وشها قلب ألوان، وعروق رقبتها نفرت، وصوتها جلجل في العمارة كلها أنا بقول عليكي حرامية يا ناكرة الجميل؟! ده إنتي معندكيش دم ولا رباية! بقى أنا بتبلى عليكي؟!
الموضوع موصلش لكده وبس.. لما جه أحمد جوزي بالليل، لقى أمه قاعدة بتعيط وبتندب حظها، وأول ما شافني داخلة، عنيه كانت بتطق شرار. كلمة واحدة بطاقات أمي تاخديها وبكرة الصبح تروحي تجيبي التموين غصب عن عينك، وتعتذري! وقفت قدامه، لأول مرة مبوطيش راسي مش هجيب، ومش هعتذر عن حاجة مغلطتش فيها.. لو أمك غالية عندك انزل هاتهولها إنت أو إخواتك الرجالة اللي ماليين البيت.. كرامتي مش رخيصة عشان تتهان كل شهر! أحمد اتعفرت، وصوته رعد أنا كلمتي متتكسرش في البيت ده! هتروحي يعني هتروحي! والله العظيم تلاتة ما هروح!
الكلمة مكملتش في بؤي.. وفجأة، لقيت كف إيده بينزل على وشي بكل غل وقوة، قدام عيالي اللي صرخوا بهستيريا، وقدام أمه وإخواته اللي كانوا واقفين على الباب بيتفرجوا ولا كأنهم في مسرحية! الضربة من قوتها رمتني على طرف الترابيزة، والدم سال من شفايفي.. وسط ذهولي وبكاء عيالي، بصيت له بصه عمري ما بصيتهاله قبل كده، وسكتّ تماماً. لميت هدومي وهدوم ولادي وسبت البيت ورحت لأهلي.
ودلوقتي، البيت مقلوب.. وأهلي مجهزين قعدة رجالة وكبارات عشان يحطوا حد للمهزلة دي، لكن قبل القعدة بساعة واحدة.. رن تليفوني برقم غريب، والصوت اللي رد ورا الخط قالي جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي، وقلبت كل الموازين اللي كنت ناوية أدخل بيها القعدة و و و…. !!!!
الصوت اللي خرج من التليفون مكنش صوت حد غريب، كان صوت عم محروس بقال التموين نفسه! الراجل العجوز اللي في دكانه بقاله تلاتين سنة ومبيحبش وجع الدماغ. صوته كان واطي، بيتلفت حواليه كأنه بيعمل جريمة الو، يا بنتي.. نرمين معايا؟ رديت بصوت مخنوق ومتحشرج من العياط أيوة يا عم محروس، خير؟ في حاجة في الحساب ولا إيه؟ سكت ثانية، وبعدين قال بنبرة تقيلة مليانة تردد شوفي يا بنتي، أنا ضميري مأنبني من الصبح لما عرفت باللي حصل في بيتكم من ورا حوار التموين، الحتة كلها بتتكلم إن جوزك مد إيده عليكي عشان رفضتي تنزلي.. بصي، أنا مكنتش عايز أدخل في مشاكل بيوت، بس اللي حماتك وأخو جوزك بيعملوه ده ميرضيش ربنا، وأنا مستحرم اللي بيجرالك بسبب بطايقهم.. لو جاية قعدة الرجالة الليلة، لازم تبقي عارفة إن فيه بطاقة رابعة بتتسحب باسمك من ست شهور، وإن السكر والزيت اللي بينقص من إيدك مش إنتي اللي بتاخديه.. حماتك بتصرف نص الحصة لحساب بنتها المتجوزة في طنطا وبتستلمها بالليل من وراكي، وتخليكي إنتي في وش المدفع!
الكلام نزل عليا زي مية مغلية. وداني صفرت، والخط قفل من ناحيته وهو بيقولي أنا معنديش استعداد أشهد في قعدة وأخسر زبايني، بس قلت أريح ضميري قدام ربنا عشان ما تشيليش ذنب سرقة إنتي بريئة منه.
قعدت على حافة السرير في أوضتي القديمة في بيت أبويا، باصة للشاشة السودة ومبقتش قادرة أتنفس. ست شهور؟! ست شهور وأنا بنزل في عز الشمس، أشيل الكراتين على كتفي، أدفع دم قلبي في التكاتك، وادفع ضربة السيستم من مصروفي، وأرجع أقف زي المتهمة في قفص الاتهام، أسمع منها كلام يسم البدن إنتي واكلة حقنا.. إنتي سارقة المكرونة.. إنتي عينك فارغة!.. وكل ده كان مسرحية؟ كانت بتبيع تمويني وتموين ولادها لبنتها حبيبتها، وتلبسني أنا العمة قدام جوزي وأهل العمارة؟!
باب الأوضة خبط ودخل أبويا، راجل على المعاش، ضهره محني من الشقا بس عينه فيها عزة نفس تكسر الحجر. كان لابس جلبابه الصوف الكحلي، وعمي الكبير الحاج إسماعيل ورا منه بوش خالي من أي تعبير. أبويا بص لوشي، للعلامة الزرقا اللي تحت عيني وشفتي اللي لسه وارمة، وقال بصوت حنين بس قاطع جهزي نفسك يا نرمين.. عمك وأنا هننزل المندرة تحت. الرجالة وصلوا، جوزك وأبوه وإخواته قاعدين، ومش طالعين من الليلة دي إلا وحقك تحت رجلك، يا إما الباب اللي خرجتي منه ميرجعلوش غير بورقتك. مسحت دموعي بإيدي الاتنين. مسحت الضعف، ومسحت الخوف اللي كان لازق فيا سنين جوة البيت ده. وقفت على حيلي وقلت يا با، أنا نازلة معاكم. عمي اتخض وبص لأبويا تنزلي فين يا بتي؟ قعدة الرجالة مبيقعدش فيها حريم! رديت عليه وعيني في عينه لأول مرة بثبات رعبهم هما الاتنين اللي اتضربت قدام عيالها وسلايفها مش هتقعد فوق تسمع نتايج حكمها من ورا الباب. أنا اتهنت في شرفي وأمانتي قبل ما اتهان في جسمي.. ومحدش هيتكلم بلساني الليلة دي، أنا اللي هتكلم يا عمي.
أبويا بص في عيني طويلاً، شاف فيهم واحدة تانية غير نرمين الطيبة الهادية اللي جوزها زمان، وطبطب على كتفي وقال البسي طرحتك، وتعالي ورايا.
نزلت درجات السلم، كل خطوة كانت بتدك في قلبي زي الطبول. المندرة تحت كانت مليانة دخان سجاير وقهوة تركي. أحمد كان قاعد على كنبة في الصدر، لابس قميص مكوي ودقنه