انا مش هجيب التموين
هنا في بيتكم قدامكم كلكم.. بس متخربوش البيت، دول بينهم عيال! عمي إسماعيل رد بصرامة بنت الست أم أحمد تاكل من خير بنتنا، وبنتنا تاكل الضرب والإهانة؟! راس نرمين متنباسش، راس نرمين تتقدر.. القعدة دي مش هتخلص بكلمتين يا حاج إبراهيم.
أحمد كان هينهار، قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه، كان حاسس بحجم الكارثة اللي عملها. هو مكنش بس خسرني، ده خسر صورته قدام نفسه وقدام أهلي، وظهر قدام الكل إنه كان مجرد أداة أمه بتستغلها عشان تمشي اللي هي عايزاه. رفعت راسي وبصيت للكل، صوتي كان ثابت وحاسم أنا مش هرجع البيت ده دلوقتي.. ولا حتى بعد ما أمك تيجي تعتذر. أحمد رفع راسه بلهفة أومال أنتي عايزة إيه يا نرمين؟ قولي وأنا أعمله، لو عايزاني أعزل بيكي في آخر الدنيا هعملها!
ابتسمت بمرارة تعزل؟ بالسهولة دي؟! سكت شوية، والكل كان مستني الكلمة اللي هتطلع مني.. أنا ليا شروط، والشروط دي مش بس عشان أرجع.. الشروط دي عشان لو فكرت في يوم تبصلي بنص عين، تفتكر الليلة دي كويس. أولاً شقتي تتقفل بالمفتاح، ومحدش من أهلك يعتب عتبتها إلا بإذني وبمعرفتي. ثانياً بطاقتي التموينية تتفصل بكره الصبح وتبقى في جيبي أنا، ومليش دعوة بتموين حد في البيت ده حتى لو هيموتوا من الجوع. ثالثاً، وده الأهم.. ورقة الشقة اللي إحنا قاعدين فيها، تتكتب نصها باسمي قصاد الإهانة والضرب والدم اللي سال في بيتك قدام عيالك، ضمان لكرامتي وكرامة ولادي..
أحمد اتصدم، ومحمود أخوه نط من مكانه إيه؟! تكتبي نص الشقة باسمك؟! دي شقة العيلة اللي أبويا بانيها لينا كلنا! بصيت لمحمود باحتقار، وكنت لسه هرد عليه وأخرسه للأبد.. وفجأة، الباب الخارجي للمندرة اتفتح بعنف، وصوت صريخ هستيري هز البيت كله، كانت حماتي داخلة زي القضاء المستعجل، وشها كان أصفر ومخطوف، ومش باصة لا لأحمد ولا لحمايا.. عنيها كانت عليا أنا، وفي إيديها ورقة بتترعش بيها، وصرخت بأعلى صوتها الحقي يا نرمين.. مصيبة حلت على البيت، المحضرين جم على الشقة فوق ومعاهم أمر طرد وحجز عشان كمبيالات متوقعة باسمك إنتي وأحمد!
الصمت اللي نزل على المندرة بعد صرخة حماتي كان أتقل من جبال المقطم. الدخان اللي كان مالي الأوضة كأنه اتجمد في الهوا. حمايا سقطت من إيده علبة السجاير، وأحمد فضل متنح لأمه، وعينيه تايهة بين الورقة اللي في إيدها وشكلها المتبهدل.. الطرحة كانت معووجة على راسها وجلبيتها مطينة من الشارع وهي بتلهث كأنها كانت بتجري ورا قطر.
كمبيالات إيه وطرد إيه يا ولية في ليلتك دي؟! أبويا هو اللي نطق، بصوت جهوري خلى حماتي تترعش في مكانها. بس هي مبصتش لأبويا، كانت بتبصلي أنا، عيونها اللي كانت دايماً بتبصلي بتعالي وقرف، الليلة دي مكنش فيها غير الرعب والذل. الحجز على الشقة.. شقة أحمد ونرمين! حماتي نطقتها وصوتها بيقطع محضرين من المحكمة ومعاهم قوة من القسم.. بيقولوا واخدين صيغة تنفيذية بميتين وخمسين ألف جنيه متأخرات على شركة قروض، ومكتوبة باسمكم انتو الاتنين، ولو مدفعتوش هيحطوا الشمع الأحمر على العفش والشقة الليلة دي!
أحمد هجم عليها زي المجنون، خطف الورقة من إيدها وعينيه بتجري على السطور. وشه اتحول من اللون الأصفر للون الكفن، إيديه كانت بتترعش لدرجة إن الورقة كانت بتعمل صوت خروشة مسموع في الأوضة كلها إيه ده؟! ده توقيعي أنا ونرمين فعلاً.. بس أنا ممضتش! والله العظيم ما مضيت على قروض من شركات ولا دخلت الأماكن دي في عمري! نرمين.. إنتي مضيتي على حاجة؟!
بصيت له ببرود ثلج. برود فاجئني أنا شخصياً قبل ما يفاجئ أي حد في القعدة. قربت منه، شديت الورقة من بين صوابعه وقريت.. إيصالات أمانة، وشيكات بنكية، وعقد تمويل باسم أحمد إبراهيم بضمان زوجته نرمين محمود، والتاريخ كان من تمن شهور بالظبط!
وفجأة.. الشريط كله كرّ قدام عيني زي شريط السينما. افتكرت اليوم المشئوم من تمن شهور.. لما حماتي طلعتلي الشقة، ومعاها باكو بسكوت لعيالي، وكانت داخلة بضحكة صفرا عريضة، وبتقولي بنعومة عمري ما شوفتها منها يا بت يا نرمين، جوز سحر أخت أحمد بيعمل مشروع توزيع جملة للمواد الغذائية، وعايز يقدم على منحة من جمعية تنمية المجتمع للمشاريع الصغيرة، ومحتاجين صور بطاقات العيلة كضامنين ومستفيدين عشان يوافقوا على الحصة التموينية الإضافية.. هاتي بطاقتك وبطاقة أحمد أصورهملك على الماكينة اللي تحت ورجعهم في ساعتها! ساعتها.. خدت البطاقات، ورجعت بعد ساعة، وجايبة معاها ورق استمارات حكومية كتيرة، وقالت لي وهي بتديني القلم امضي هنا يا بت استلام كارت الجمعية، وأحمد لما يرجع يوقع على الورقة التانية دي عشان اسمه يتحط في الدعم. أنا مضيت بحسن نية وسلامة قلب، ولما أحمد رجع تعبان من الشغل، أمه قعدت جنبه وقالت له امضي يابني عشان أختك الغلبانة تقف على رجلها، دي ورقة استلام منحة جمعية من غير مليم. وأحمد وقع وهو مغمض عينه، لأن أمه عمرها ما كانت تئذيه.. أو ده اللي كان فاكره!
رفعت عيني من الورقة، وبصيت لحماتي اللي كانت واقفة حاطة إيدها على بؤها وبتعيط بدموع حقيقية لأول مرة. المنحة.. صح يا حماتي؟ صوتي خرج واطي بس شرخ الصمت بتاعة جوز سحر؟! الربع مليون جنيه اللي فتح بيهم محل البقالة التاني في طنطا، واشترى بيهم التروسيكل؟! محمود أخو أحمد وطى راسه في الأرض، كأنه كان عارف كل حاجة ودارى عشان ميخربش على أخته.
أحمد استوعب فجأة. الحقيقة خبطته في نافوخه زي الشاكوش. قرب من أمه، وبقى يزعق بهستيريا، بصوت حشرج فيه كل قهر السنين مضيتيني على قروض عشان خاطر سحر وجوزها؟! رميتيني أنا ومراتي وعيالي في التهلكة عشان بنتك؟! هو إنتي إيه؟! إنتي أم إنتي ولا إيه حكايتك في الدنيا؟! أنا اللي بشقى ١٤ ساعة في اليوم على رجلي، ومراتي اللي كنت مخليها مداس ليكي ولخدمتك، تعملي فينا كده؟! وفين جوزها النصاب؟! سايب المحضرين يجوا على شقتي أنا وعفشي ليه؟!
حماتي سقطت على الأرض على ركبتها، مش قادرة تشيل نفسها هرب.. يا حبة عيني هرب وساب أختك بالعيال من أسبوع لما الشيكات ارتدت، وسحر قاعدة في طنطا متبهدلة ومش عارفين طريق له.. والشركة لما ملقوش حد ينفذوا عليه هناك، رجعوا على العنوان اللي في بطاقتكم انتو يا بني.. الشقة بتاعتكم هي الضامن الأول!
أبويا قام وقف، وبص لحمايا ولحماتي بنظرة كلها اشمئزاز. عكازه رزع في الأرض اخرجوا برة بيتي. أحمد بص لأبويا ودموعه بتغرق وشه يا عمي.. بالله عليك استنى.. البيت بيتهد! أبويا رزع الكلمة في وشه من غير رحمة بيتك مهدود من اللحظة اللي مديت إيدك فيها على بنتي. مهدود من يوم ما صدقت إنها سارقة كيس سكر وهي بتشيل هم بطاقاتكم على ضهرها. إن شا الله يتشمع البيت باللي فيه، ملكش عندي هنا إلا ورقة طلاق بنتي ومؤخرها وقايمتها، والقانون ياخد مجراه بينكم وبين المحاكم.
استنى يا با.. الكل بصلي لما اتكلمت. أنا كنت