انا مش هجيب التموين
واقفة باصة للمشهد ده كله، وحسيت فجأة إن ربنا بيحط كل واحد في مكانه الصح قدام عيني في لحظة واحدة. الظلم اللي عيشته تلات سنين، الشك اللي كان بيترمي في وشي كل شهر، الإهانة، والضربة اللي علمت على خدي.. كل ده كان بيتحاسب عليه أصحابه في دقايق معدودة. بصيت لأحمد وقلت له المحضرين فين دلوقتي؟ أحمد رد بصوت بيرتجف أمي بتقول سايباهم قدام باب العمارة مع محمود الصغير أخويا، بيدوا مهلة ساعتين بس عشان نجيب المحامي أو يسلموا الشقة للقوة الجبرية تتشمع. قلت بهدوء تام قوم يا أحمد.. وإنت يا حاج إبراهيم وجهت كلامي لحمايا، وإنتي يا حماتي.. قوموا كلكم، إحنا رايحين على الشقة دلوقتي.
أبويا مسك إيدي بخوف رايحة فين يا نرمين؟ الموضوع مش بتاعك، ده فخ هما ناصبينه لبعض، إنتي ملكيش دعوة بده كله، المحامي بتاعنا يرفع قضية تزوير وينفض إيدك من القرف ده! بصيت لأبويا وطبطبت على إيده متخافش عليا يا با.. بنتك مش هبلة ولا مغفلة، بس أنا ليا حق هناك، والحق ده لو مجاش الليلة دي بالطريقة اللي تريح قلبي وتأمن عيالي، مش هيجي طول العمر. عمي إسماعيل.. تعالى معانا.
مشينا في الشارع.. كان موكب جنائزي غريب. حماتي ماشية مسنودة على حمايا وهي بتعيط بالدموع، محمود أخو جوزها ماشي باصص في الأرض زي الحرامي المقفوش، وأحمد ماشي جنبي كأنه ميت بيتحرك، وأنا ماشية راسي مرفوعة، وبطرحتي السودة، شايفة خطوتي رايحة فين بالظبط.
وصلنا قدام عمارة العيلة. كان في بوكس شرطة صغير راكن على جنب، ومحضر المحكمة راجل خمسيني واقف بشنطته الجلد وجنبه أمين شرطة واثنين من رجالة الشركة لابسين بدل وشكلهم مفهوش تفاهم، والشارع كله والجيران متجمعين في البلكونات بيتفرجوا على الفضيحة. أول ما أحمد قرب، جرى عليه أمين الشرطة إنت أحمد إبراهيم؟ أحمد بلع ريقه أيوة يا باشا.. المحضر طلع الدوسيه معاك إيصالات أمانة واجبة النفاذ، وصادر ضدك وضد المدام حكم حجز تنفيذي للشقة رقم ٤ بناءً على توكيلات وضمانات بنكية. يا تدفعوا المبلغ كاش دلوقتي يا إما الشقة هتتحرز والعفش يتباع في المزاد العلني لصالح سداد الدين.
حماتي جريت على راجل الشركة، مسكت في كم بدلته يا بيه ، دي شقة ابني وشقا عمره.. جوز بنتي هو اللي واكل الفلوس، روحوا اقبضوا عليه في طنطا! الراجل زق إيدها بذوق بس بحزم يا ست الحجة إحنا بتوع ورق وقانون، العنوان اللي في التنازل والضمان هو الشقة دي، وصاحب الورق هو ابنك ومراته، ماليش دعوة بمين خد ومين كال، لو مفيش دفع دلوقتي، القوة هتطلع تنفذ ونحط الشمع الأحمر.
أحمد بص حواليه.. الجيران اللي كان بيعمل قدامهم راجل وبيرفع صوته عليا، كلهم كانوا باصين عليه بشفقة وتشفي. وسلايفي اللي كانوا بيتفرجوا على ضربي الصبح، كانوا واقفين ورا سلك البلكونات بيتهامسوا. أحمد قعد على عتبة الباب، وحط راسه بين ركبه وبدأ يعيط بصوت عالي كأنه عيل صغير مستقبلي ضاع.. شقايا راح.. أنا هتحبس، وولادي هيتشردوا في الشارع..
قربت من المحضر ومن مندوب الشركة بهدوء، وطلعت بطاقتي مساء الخير يا فندم.. أنا نرمين محمود، الطرف التاني في العقد اللي معاكم. المحضر بصلي وبص للورقة أهلاً يا مدام.. ياريت تفهمي جوزك إن العياط ده ملوش لازمة، إحنا ورانا شغل وواقفين بقالنا ساعتين. قلت له بثبات أنا فاهمة القانون كويس يا فندم. وإحنا مش هنعطلك، بس من حقنا نعرف هل المبلغ ده كاش بس ولا في إمكانية لإعادة جدولة أو تسوية فورية لو في ضمان عقاري يغطي المبلغ مع دفعة أولى؟ مندوب الشركة بصلي باهتمام التسوية ممكنة طبعاً، لو اتدفع ٥٠ ألف جنيه كاش دلوقتي رسوم قضائية ومقدم، والباقي يتجدول على شيكات بنكية بس بضمان عقار قيمته تغطي أصل الدين بالفوائد.. بس بشرط الضامن العقاري يكون حاضر ويمضي معانا التنازل والرهن هنا في محضر رسمي.
لفيت وشي، وبصيت لحمايا وحماتي.. كانت اللحظة اللي مستنياها. الشقة اللي إحنا فيها دي تسوى ستمية ألف جنيه، بس هي ملك مين على الورق؟ حمايا رد بسرعة وصوته بيترجف ملكي يا بنتي.. البيت كله ملكي، وأنا كاتب الشقق لولادي عقود ابتدائية ومكملتش التسجيل. قربت من حمايا، ووقفت قدامه بمسافة شبر واحد طيب يا حاج إبراهيم.. إنت مش كان نفسك تلم المشكلة والبيت ميتخربش؟ مش كنت بتقول إن الست أم أحمد ست كبيرة وتغلط وإحنا نسامح؟.. دلوقتي عيال بنتك النصاب هرب وساب ابنك للمحاكم وللفضيحة، وساب عيالي اللي هما لحمك يترموا في الشارع الليلة دي.. بصيت لأحمد اللي رفع راسه وباصصلي بذهول، وكملت كلامي لحمايا أنا معايا في حساب البوسطة بتاعي ٥٠ ألف جنيه، ده دهب أمي الله يرحمها اللي كنت بيعاه ومشيلاه لعيالي والزمن.. أنا هدفع الخمسين ألف جنيه دي للشركة دلوقتي حالا، وهشيل عن ابنك الحبس والشمع الأحمر..
حماتي عنيها وسعت بلهفة وجريت عليا بجد يا نرمين؟! ربنا يسترك يا بنتي، ربنا يباركلك في ولادك، إنتي أصيلة وبنت حلال! رجعت خطوة لورا، وبصيت لحماتي بنظرة خلت كلماتها تقف في حلقها زي العضم מתكمليش يا حماتي.. متكمليش عشان الزواق ده خلاص اتمسح من زمان. الفلوس دي مش طالعة لوجه الله ولا عشان سواد عيون حد فيكم.. الفلوس دي تمن كرامتي وتمن سنين الذل وتمن القلم اللي نزل على وشي.
التفت لحمايا ولأحمد وعمي وأبويا شروطي كالتالي، وقدام المحضر ومندوب الشركة ورجالة العيلة؛ الشقة دي تخرج من إيد العيلة دي نهائي.. حمايا وأحمد يتنازلوا عنها رسمي ونهائي ليا أنا وعيالي، تتباع لي بيع وشرا قطعي وناجز بالخمسين ألف وبالشيكات اللي أنا هتحملها قدام الشركة من مالي الخاص ومن شغلي، وتسجل باسمي في الشهر العقاري بكره الصبح. ثانياً بطاقتي وبطاقة عيالي التموينية ترجع في جيبي الليلة دي، ومشوفش وش حد منكم في مدخل الشقة إلا لما أأذن.. وثالثاً، وده الشرط اللي مفيش فيه رجعة.. أحمد، إنت مش هتدخل الشقة دي إلا لما أنا أقرر إذا كنت تنفع تبقى راجل وأب لعيالي ولا لأ.. هتعيش تحت عند أمك اللي ورطتك، تخدمها وتجيبلها تموينها بإيدك، لحد ما تعرف قيمة الست اللي كانت صايناك ومسحتوا بكرامتها الأرض!
الصدمة كانت تقيلة.. محمود أخوه همس لأبوه يا با دي هتاخد الشقة على الجاهز! الشقة تسوى كتير! صرخت في وشه صرخة خلت الشارع كله يرتج أومال ادفع الربع مليون من لحمي الحي وعيالي يترموا في الشارع عشان خاطر أختك وجوزها الحرامي؟! ما تدفع إنت يا شهم! ما تدفع إنت وتنقذ أخوك من الحبس بدل ما كنت بتروح مع أمك تسرقوا التموين من ورا ضهره وتبيعوه؟! يلا، ادفع وريني رجولتك! محمود اخرس، ونزل وشه في الأرض مقدرش ينطق بحرف واحد.
حمايا بص لأحمد.. أحمد كان باصصلي، وفي عينيه مزيج من الانكسار التام، والاعتراف بالذنب، والشكر.. هو كان عارف إنه قدام خيارين يا إما يدخل السجن الليلة دي وتضيع سمعته ووظيفته وشقته تتباع بالمزاد العلني