انا مش هجيب التموين
لمحة نيوز
محلوقة، ملامحه كانت مزيج بين التوتر والغطرسة، كأنه جاي يثبت إنه راجل كسر رقبة مراته عشان أمه. جنبه كان قاعد حمايا، راجل سلبي بطبعه مبيحلش ولا بيربط وسايب الحبل لمراته على الغارب، وجنبهم أخوه الكبير محمود اللي هو أصلاً صاحب واحدة من بطاقات التموين اللي كنت بشيلها له كل شهر.
أول ما دخلت المندرة، الصمت طبق على المكان زي الكفن. أحمد اتعدل في قعدته بعصبية، وقال بصوت جهوري موجه لأبويا إيه ده يا عمي؟ إحنا جايين قعدة صلح وحق عرب، الحريم ملهاش قعاد وسطينا! أبويا قعد على كرسيه ببرود شديد، وحط عكازه قدامه الحرمة اللي انت مديت إيدك عليها وغدرت بيها قدام عيالك، هي صاحبة البيت وصاحبة الدم.. اقعد يا أحمد وبلاش حس عالي في بيتي.
أنا موقفتش ورا الكراسي، وقفت في النص، قدام الترابيزة اللي كان مرصوص عليها فناجين القهوة وعلب السجاير. عيني جت في عين أحمد، لمح فيهم حاجة خلته يبلع ريقه ويزيح نظره بعيد. بدأ عمي إسماعيل الكلام يا حاج إبراهيم وجه كلامه لحمايا، إحنا ناس بنعرف الأصول، وبنتنا دخلت بيتكم على سنة الله ورسوله، صاينة عرضكم وماسحة غبار بيتكم، لا ليها في قال ولا قيل. إنما توصل إن ابنكم يمد إيده عليها عشان خدمة مش فرض عليها، ويتهمها بالسرقة مع أمه، ده كلام ميرضيش ربنا ولا يرضي عباده.. إحنا لينا كرامة، وبنتنا متتهانش. حمايا اتنحنح، وطلع علبة السجاير وهو بيحاول يهدي اللعب يا حاج إسماعيل، البيت بيحصل فيه أكتر من كده، ودي ساعة شيطان.. نرمين بنتنا وعارفين أصلها، بس هي برضه عاندت مع أمها، وأم أحمد ست كبيرة في مقام والدتها، والست الكبيرة لما تتكلم الصغير يوطي راسه ويقول حاضر ونعم.. أحمد مكنش قاصد يضربها، دي كانت لطشة إيد في وسط النرفزة عشان كلمة ردتها قدام إخواته.
لطشة إيد؟! الصوت خرج مني قوي لدرجة إن حمايا وقف كلامه في نصه. بصيت لأحمد وقلت اللي في وشي دي اسمها لطشة إيد؟ الورم اللي في شفتي ده عشان أمك ست كبيرة؟! أحمد زعق، وحاول يفرض هيبته قدام أهله متقليش أدبك قدام الكبار يا نرمين! إنتي غلطتي، أمي طلبت منك التموين، تقولي لأ ليه؟ بتستكبري تخدميها؟! التموين ده واجب عليكي زي ما بتجيبي لبيتك، وإنتي رايحة رايحة، إيه المشكلة لما تاخدي بطاقتها معاكي؟!
ضحكت.. ضحكة سخرية خلت كل اللي في الأوضة يبصولي باستغراب. كانت ضحكة مليانة مرار ووجع وشماتة في نفس الوقت. واجب عليا؟.. لأ يا أحمد، مش واجب عليا. بس أنا كنت بعمله بأصلي. كنت بنزل وأشيل وأدفع الفرق من جيبك ومن مصروفي عشان أريحك وأريحها.. لكن تفتكر أمك ليه كانت كل شهر تعمل نفس النمرة؟ ليه كل شهر أطلع بالكراتين تفتحها قدامك وقدام محمود وتقول نرمين واكلة باكو شاي، نرمين سارقة كيس سكر، نرمين بدلت قزازة الزيت الكبيرة بالصغيرة وباعت الفرق؟!
محمود أخوه اتدخل ببرود وقال يا نرمين، أمي ست دقيقة وحريصة، وده حقها تسأل عن حاجتها، إنتي اللي خلقك ضيق وبتتحسسي من أقل كلمة. قربت خطوة من الترابيزة، وحطيت إيدي في جيبي وطلعت الموبايل، وحطيته على الرخام قدامهم أنا خلقي ضيق يا محمود؟ طيب ما تقول لأخوك ولأبوك عن التموين اللي كان بينقص.. إنت مش بطاقتك معايا برضه؟ محمود اتوتر فجأة، وعينيه بدأت تروح وتيجي في الأوضة. بصيت لأحمد وقلتله بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت إنت عارف تموين أمك كان بينقص ليه كل شهر؟ أحمد كشر حواجبه بشك ليه يعني؟ ما البقالين كلهم نصابين، وإنتي مكنتيش بتركزي في الحساب! لأ يا حضرة الراجل اللي بيمد إيده.. البقال مش نصاب، وأنا مش مغفلة. أمك كانت بتنزل كل شهر بالليل، تسحب جزء من حصتها ومن حصة محمود، وتبعتهم كراتين مع جوز الست سحر أختك في طنطا! وتخلي الحصة تيجي ناقصة، عشان لما أنا أروح أستلم الباقي تتهمني أنا قدامك وقدام البيت بالسرقة.. عشان تفضل حاطة راسي في الأرض ومقدرش أفتح بؤي، وفي نفس الوقت تأكل بنتها من خيركم وإنت قاعد يا غافل ليك الله!
المندرة اتقلبت. أحمد تنح، ووشه بقى لونه أصفر زي الليمونة إنتي بتقولي إيه؟ إنتي اتجننتي؟! أمي بتسرق ولادها؟! اسأل أخوك محمود.. شاورت على محمود اللي كان وشه جاب كل ألوان الطيف، وبدأ يعرق رغم إن الجو كان برد اسأله، مين اللي بيروح يوم 25 في الشهر مع أمه بالليل دكان عم محروس بعربية جوز أخته؟ مين اللي بيشيل كراتين الزيت والسكر قبل ما الشهر يبدأ ويحطها في شنطة العربية؟! ومين اللي بطاقتي أنا كمان اتسحبت باسمها كرتونة الشهر اللي فات من غير ما أعرف؟!
حمايا وقف على حيله، وعينيه بتطق شرار في محمود الكلام ده صحيح يا ولد؟! محمود ارتبك، ولسانه تقل يا.. يا حاج.. دي أمي، وهي اللي قالت لي سحر محتاجة وظروف جوزها في المعمار نايمة، وقالت لي متقولش لأحمد عشان نرمين متبصش في اللقمة وتعمل مشاكل..
أحمد قام وقف، الصدمة كانت شلاه تماماً. كان باصص لأخوه، وبعدين بص لأبويا، وبعدين بصلي. الراجل اللي كان داخل المندرة نافش ريشه عشان يربي مراته اللي عاندت أمه، لقى نفسه كان مغفل، بيضرب مراته الشريفة عشان يغطي على لعبة معمولة من ورا ضهره لصالح أخته وجوزها، وبمباركة أمه وأخوه! يعني إيه؟.. يعني أنا كنت بتخان في بيتي؟ يعني إنتي كنتي عارفة يا محمود؟ وبتسيبني أضربها وأزعق فيها كل شهر؟! محمود وطى راسه في الأرض ومردش.
أبويا خبط بعكازه على الأرض خبطة رنت في أرجاء البيت، ووقف بطوله لحد هنا والكلام خلص. بص لأحمد بقرف وقال بنتي مكنتش بتخدم أهلك، بنتي كانت بتتسخر وبتتشتم وبيتداس على شرفها وأمانتها عشان حضراتكم تعملوا عليها سبوبة.. وإنت يا راجل جيت على لحمك وعرضك وكسرت عضم بنتي قدام عيالها عشان أمك تداري على بنتها. أحمد قرب مني ودموعه بدأت تنزل، وشه مكنش فيه ذرة من الجبروت اللي كان بيه الصبح نرمين.. أنا.. أنا والله ما كنت أعرف.. أنا كنت فاكر إنك بتعاندي أمي وخلاص.. حقك عليا، أنا جزمتك فوق راسي، قسماً بالله لأهد البيت ده فوق دماغهم كلهم.. تعالي نرجع دلوقتي وحقك هيجيلك لحد عندك!
مد إيده عشان يمسك إيدي، بس أنا رجعت خطوتين لورا. النظرة اللي في عيني كانت كفيلة تخليه ينزل إيده مكسور. ترجع مين يا أحمد؟ إنت فاكر إن الحكاية حكاية تموين وزيت وسكر؟! أنا مشكلتي مكنتش في كيس مكرونة اتسرق، مشكلتي كانت في الكف اللي نزل على وشي وإنت مش شايفني بنادمة أصلاً.. مشكلتي إنك صدقت فيا إني حرامية، وسهلت إهاني قدام سلايفي وعيالي اللي اترعبوا منك. الجرح اللي في شفتي هيخف يا أحمد، بس الكسرة اللي جوة قلبي عمرها ما هتتصلح.
حمايا قرب من أبويا وهو بيترجاه يا حاج إسماعيل، عيال وغلطوا، وأنا اللي هربي الواد محمود، والست أم أحمد هتيجي بنفسها راس نرمين