فاضل ثمان دقائق بالظبط
بعد الجواز، دخلت بيت إيهاب في التجمع، بس مكنش بيت بارد وفاضي زي ما كان عايش فيه، حولته لبيت دافي بريحة الخير والحب. كنت كل يوم أعمله بأيدي الأكل اللي بيحبه، وكان يرجع من شركاته الكبيرة ورمي كل هموم الشغل ورا ضهره أول ما يدخل من الباب ويشوف ابتسامتي.
كان دايمًا يقولي: — أنا كنت عايش ميت يا ليلى، سنين عمري اللي فاتت دي كلها كانت جري في ساقية على الفاضي.. إنتي اللي رجعتيلي طعم الحياة، إنتي عوض ربنا ليا عن يتمي وقسوة الأيام.
ومرت سنة على جوازنا، سنة مليانة عشق وحنية واحترام، لحد ما ربنا كرمنا بأجمل هدية في الوجود.
في يوم دافي من أيام الربيع، في مستشفى هادية، سمعت أول صرخة لبنوتتنا الصغيرة.
إيهاب كان واقف جنبي، لابس البالطو الطبي وإيديه كانت بترتعش زي أول ليلة دخل فيها، بس المرة دي كانت دموعه نازلة من الفرحة والانبهار. مسك البنت بين إيديه بحرص شديد كأنه شايل جوهرة خايف عليها تنكسر، وقربها وباس إيدي وعيونه بتلمع: — هنسميها إيه يا ست البنات؟
بصيت لملامحها البريئة وقولتله بابتسامة طالعة من صميم قلبي: — هنسميها «أمينة».. على اسم ستي، عشان تكون شبهها في كرمها وأصلها، وتفكرنا باليوم اللي جمعنا في المخبز.
إيهاب ابتسم والدموع في عينيه، ووطى أذن في ودن أمينة الصغيرة بصوت خاشع وحنين، وقال: — نورتي دنيتي يا أمينة، نورتي قلب أبوكي اللي اتولد من جديد يوم ما دخل على أمك.
بعد سنين من التعب والوحدة، إيهاب لقى البيت اللي يحتويه، ولقى اللي يمسح عنه مرار السنين. كنا بننزل كل جمعة، ناخد أمينة في إيدينا ونروح لمخبز المعادي القديم، نقف مع الأسطى شحاتة، ونخبز بإيدينا للناس، ونوزع على كل محتاج يمد إيده، وإيهاب باصصلي بحب ويقولي بهمس: — شوفتي يا ليلى؟ رغيف العيش والسحلب اللي مكنتش قادر أدفع تمنهم زمان.. ربنا عوضني بيهم جنة في الدنيا.