فاضل ثمان دقائق بالظبط
كلامه نزل على قلبي زي المية الباردة في عز الصيف، الحيرة اللي كانت جواه اتلاشت، والنار اللي كانت قايدة في صدري خمدت وبقى مكانها دفا عمري ما حسيته. كنت بحبه، كنت غرقانة في حبه من غير ما أنطق ولا كلمة، وكل نظرة عتاب كانت مخبية وراها خوف من إني أصحى من حلم جميل.
الأسطى شحاتة والعمال دخلوا يطمنوا، وإيهاب مقصرش ثانية؛ شاور للحراس ونزلوا بنفسهم جابوا عمال نضافة وصيانة، وفي خلال ساعتين كان الإزاز اتغير بأحدث فاترينة، والمحل اتنضف واتمسح، وعربيات نقل نزلت أجود أنواع الدقيق والسمن البلدي هدية للمخبز ولكل شغال فيه.
في المسا، بعد ما الدوشة هديت والعمال روحوا وهم بيدعوا لإيهاب، كان المخبز مقفول علينا إحنا الاتنين.
كنا واقفين عند بيت النار، ريحة الخبيز كانت راجعة للمكان تملى النفوس راحة. إيهاب كان قالع جاكت البدلة، وفاتح أول زرارين من قميصه، وواقف قدامي والابتسامة الهادية اللي بحبها رجعت على وشه.
طلع من جيبه علبة قطيفة كحلي صغيرة، فتحها وبان فيها خاتم ألماز ناعم وبسيط زي ما بحب: — ليلى.. أنا لفيت الدنيا بحالها، وشوفت ناس بعدد شعر راسي، بس عمري ما شوفت حد بنقاوة قلبك ولا أصلك الطيب. أنا مش عايز من الدنيا دي كلها غيرك، تقبلي تتجوزيني وتشاركيني حياتي، ونعوض كل اللي فات سوا؟
الدموع نزلت من عيني فرحة، حسيت إن ستي واقفة جنبنا بتضحك، هزيت راسي وأنا مبتسمة من وسط دموعي: — موافقة يا إيهاب.. موافقة أكون جنبك وكتفي في كتفك.
لبسني الخاتم، وفي اللحظة دي بصلها باحترام وحنية، كأنه بيعاهد ربنا عليا.
الأيام اللي بعد كدة كانت زي الخيال. إيهاب مغيرش في المخبز حاجة تمس روحه القديمة، اشترى العمارة كلها وسجل المخبز باسمي ملك حر، وخلاه وقف أهلي مفيش مخلوق يقدر يقربله. وساب الكارت بتاع ستي في مكانه جنب الدرج: «سُوق الخير وسكّت السؤال.. ساعد الأول وبعدين اسأل».
اتعمل فرح ولا في الأحلام، بس على طريقتنا.. مش في قاعات مقفولة على الباشوات بس، لا، عملنا ليلة في الشارع قدام المخبز، اتفرشت الموائد لكل أهل المنطقة والغلابة واليتامى، وفرقنا عيش وحلويات وسمن بلدي على بيوت الحارة كلها، والكل كان فرحان ومزقطط لليلى وإيهاب.