ست طيبه

زقت الكيس.
الست وقعت.
مريم ما استحملتش.
سابِت حاجتها وجريت عليها.
حاضر يا حاجة، أنا معاكي.
نزلت على الأرض وجمعت الفلوس واحدة واحدة.
الست كانت بتحاول تمنع دموعها.
سيبيني يا بنتي.
ليه؟
أنا اتعودت.
مريم رفعت عينيها لها.
على إيه؟
إن محدش يساعدني.
الجملة وجعت مريم أكتر من اللي حصل.
مدت إيدها وساعدتها تقوم.
داليا بصت لها باحتقار.
إنتِ كمان داخلة تعملي فيها بطلة؟
مريم ما ردتش عليها.
بصت للكاشير وحطت محفظتها على الكاونتر.
حاسب كل حاجتها.
الكاشير اتوتر.
بس يا آنسة الفلوس دي هتخلص تقريبًا.
عارفة.
يمكن تكوني محتاجاها.
مريم بصت للست.
وبعدين قالت
هي محتاجاها أكتر مني دلوقتي.
الست مسكت إيد مريم.
لا يا بنتي، حرام عليكي.
مش حرام.
ابتسمت.
بكرة يمكن أنا اللي أكون محتاجة حد يقف جنبي.
دفعت الحساب.
فضل في محفظتها 12 جنيه بس.
وهي خارجة من السوبر ماركت، افتكرت علاج نور.
12 جنيه مش هيجيبوا حتى نصه.
لكنها ما ندمتش.
وصلت الست لعربيتها القديمة.
اسم حضرتك إيه؟
الست اترددت.
سعاد.
أنا مريم.
ربنا يكرمك يا بنتي.
أوصلك؟
لأ، أنا قريبة.
مريم بصت لها.
الجو حر، والحاجات تقيلة.
بعد شوية تردد، سعاد وافقت.
ركبت جنبها.
وأثناء الطريق، مريم لاحظت إن الست ساكتة جدًا.
حضرتك عايشة لوحدك؟
سعاد بصت من الشباك.
من فترة.
ولادك بعيد؟
سعاد ابتسمت بحزن.
ابني بعيد قوي.
مريم ما سألتش أكتر.
ماحبتش تدخل في حاجة شخصية.
لكنها ما كانتش تعرف إن كلمة ابني دي كانت بتخبي وراها قصة أكبر بكتير مما تتخيل.
لأن سعاد كانت والدة عمر السيوفي.
واحد من أغنى رجال الأعمال في مصر.
رجل اسمه موجود في أكبر الشركات والمشروعات.
ورجل من سنة كاملة كان بيدور على والدته بعد ما اختفت فجأة من قدامه.
عمر كان فاكر إنها سافرت لوحدها.
لكن الحقيقة إن سعاد كانت قررت تبعد عنه بعد خلاف كبير بينهم.
وما كانتش عايزة حد يعرف مكانها.
في نفس الليلة، مريم وصلت سعاد لحد البيت.
قبل ما تنزل، سعاد قالت
ممكن تديلي رقمك؟
مريم استغربت.
ليه؟
عشان لو احتجت حاجة.
مريم ابتسمت وكتبت رقمها.
لكن الاتنين ماكانوش واخدين بالهم إن شاب صغير كان واقف بعيد في السوبر ماركت وقت اللي حصل.
الشاب كان صور كل حاجة.
من أول إهانة داليا.
لحد اللحظة اللي مريم دفعت فيها آخر فلوس معاها.
وفي نفس الليلة، الفيديو اتبعت لأكتر من شخص.
لحد ما وصل لشخص واحد بالذات.
عمر السيوفي.
عمر فتح الفيديو وهو في مكتبه.
كان متضايق أصلًا من عشرات الاتصالات اللي جاياله عن والدته.
لكن أول ما شاف الست العجوز على الشاشة
عرفها.
دي أمي.
رفع عينه للحرس.
إنتوا لقيتوها؟
لأ يا فندم.
عمر رجع بص للشاشة.
الفيديو كان لسه شغال.
ظهر فيه وجه مريم وهي بتقول
بكرة يمكن أنا اللي أكون محتاجة حد يقف جنبي.
عمر وقف.
أعاد الجملة مرة تانية.
وبعدين سأل
البنت دي مين؟
واحد من رجاله قرب منه.
هنعرف.
عمر قفل الفيديو.
لا.
سكت لحظة.
أنا اللي هعرف.
وفي نفس الوقت، مريم كانت في بيتها بتفتح درج المطبخ تدور على فلوس تشتري بيها علاج نور.
ولما لقت الدرج فاضي، قعدت على الأرض وبدأت تبكي.
ما كانتش تعرف إن خلال ساعات
أغنى رجل قابلته حياتها هيظهر قدام باب بيتها بنفسه.
لكن مش عشان يشكرها.
كان جاي يسألها سؤال واحد
إنتِ عملتي إيه لأمي وليه أمي كانت مخبية نفسها عني؟
حكايات بسمه
في صباح اليوم التالي، كانت مريم بتجهز نور للمدرسة، وهي بتحاول تخبي عنها قلقها.
نور لاحظت وشها الشاحب.
ماما، إنتِ عيطتي؟
مريم ابتسمت بسرعة.
لا يا حبيبتي، بس ما نمتش كويس.
قبل ما تكمل كلامها، سمعوا خبط على الباب.
ثلاث خبطات متتالية.
مريم اتجمدت مكانها.
بصت لنور.
خليكي هنا.
مشت ناحية الباب، وبصت من العين السحرية.
رجلين لابسين بدلات غامقة واقفين بره.
وخلفهم عربية سوداء فخمة.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
فتحت الباب فتحة صغيرة.
حضراتكم مين؟
واحد منهم قال باحترام
مدام مريم؟
أيوه.
إحنا جايين من طرف الأستاذ عمر السيوفي.
مريم اتوترت.
عمر السيوفي؟
الرجل هز رأسه.
ممكن ندخل دقيقتين؟
مريم بصت لنور، ثم رجعت تبص للرجل.
لو سمحتوا، قولوا اللي عندكم هنا.
الرجل أخرج ظرفًا أبيض.
الأستاذ عمر طلب إن الظرف ده يتسلم لحضرتك.
مريم ما مدتش إيدها.
إيه ده؟
مش عارف.
ومين قالكم تيجوا لحد بيتي؟
الرجل سكت لحظة.
الأستاذ عمر بنفسه.
مريم أخدت الظرف بحذر.
فتحته.
جواه صورة.
صورة قديمة جدًا لسعاد.
لكن اللي جمبها في الصورة خلّى مريم تعقد حواجبها.
كان شاب صغير.
نفس ملامح عمر تقريبًا.
وتحت الصورة جملة مكتوبة بخط اليد
لو عايزة تعرفي ليه سعاد اختفت اسألي عن اليوم اللي اتكسرت فيه العيلة.
مريم حسّت بقشعريرة.
رفعت عينيها للرجل.
إيه معنى الكلام ده؟
قبل ما يرد، عربية سوداء وقفت أمام البيت.
الباب الخلفي اتفتح.
ونزل منه عمر السيوفي بنفسه.
كان طويل، هادي، لكن ملامحه كانت متوترة بشكل واضح.
مريم أول ما شافته قالت
إنت؟
عمر وقف قدامها.
أنا عمر.
عرفت.
ممكن نتكلم؟
مريم ضمت الظرف لصدرها.
عن والدتك؟
عمر سكت.
ثم قال
أيوه.
نور ظهرت من خلف مريم.
عمر لمحها.
ثم لاحظ جهازًا طبيًا صغيرًا موضوعًا فوق الترابيزة.
نظر لمريم.
بنتك مريضة؟
مريم ردت بحذر
مالهاش علاقة بالموضوع.
أنا ما قصدتش أتدخل.
يبقى خلينا في موضوع والدتك.
عمر أخذ نفسًا عميقًا.
أمي اختفت من سنة.
مريم اتفاجئت.
سنة؟
وأنا كنت فاكر إنها اختارت تبعد عني.
وقالتلي إن ابنها بعيد.
عمر ابتسم بحزن.
هي ما قالتلكيش الحقيقة كلها.
مريم سكتت.
إيه الحقيقة؟
عمر نظر ناحية الشارع، وكأنه بيتأكد إن محدش بيسمع.
أمي كانت خايفة.
من مين؟
رفع عينه لمريم.
مني ومن شخص تاني أخطر مني.
مريم عقدت حواجبها.
إنت بتقول إيه؟
عمر قرب خطوة.
أمي ما هربتش مني عشان تكرهني.
سكت لحظة.
هي هربت عشان كانت بتحاول تحميني.
مريم شعرت أن القصة أكبر من مجرد خلاف بين أم وابنها.
وقبل ما تسأله، هاتف عمر رن.
بص للشاشة.
ملامحه اتغيرت فورًا.
أيوه؟
استمع لثوانٍ.
ثم قال بصوت منخفض
متأكد؟
سكت.
إنت شفت مين؟
صمت طويل.
وبعدين قال
خليك مكانك. أنا جاي.
قفل المكالمة.
مريم سألته
فيه إيه؟
عمر بص لها مباشرة.
الشخص اللي كنت بحكيلك عنه
سكت.
اتعرف على مكان أمي.
مريم شعرت بالخوف.
يعني إيه؟
عمر رد
يعني الشخص ده عرف إنك إنتِ اللي ساعدتيها.
مريم شحب وجهها.
أنا؟
أيوه.
ثم نظر إلى نور.
وعرف كمان عنوانك.
في اللحظة دي، سمعوا صوت عربية بتقف بعيد عن البيت.
عمر بص ناحية الشارع.
ورجل من حراسه جري ناحيته.
أستاذ عمر
قول.
الرجل قرب منه وهمس
العربية اللي واقفة هناك بقالها عشر دقايق مراقبة البيت.
عمر لم ينظر لمريم هذه المرة.
بل قال للحارس
خد مريم وبنتها من الباب الخلفي.
مريم اعترضت
لا، استنى! أنا مش هتحرك قبل ما أفهم!
عمر بص لها بجدية.
لو فضلتِ هنا، مش هتلحقي تفهمي أي حاجة.
نور مسكت إيد أمها.
ماما
مريم ضمت إيد بنتها.
وفي نفس اللحظة
موبايل مريم رن.
رقم غريب.
ردت بتردد.
لم تسمع سوى صوت امرأة مسنة تبكي.
مريم
مريم اتجمدت.
مين؟
الصوت رد
أنا سعاد.
مريم فتحت عينيها بدهشة.
يا حاجة سعاد؟ إنتِ فين؟
لكن سعاد قالت جملة واحدة فقط
ما تثقيش في عمر
ثم انقطع الخط.
مريم رفعت عينيها ببطء ناحية عمر.
وكان عمر واقف قدامها
يسمع كل كلمة مريم فضلت باصة لعمر ثواني، وكأنها بتحاول تقرأ الحقيقة في عينيه.
أمي قالتلي ما أثقش فيك إنت عايزني أصدق مين؟
عمر ما اتعصبش.
بالعكس، وشه بقى هادي بشكل مخيف.
كان لازم تقولك كده.
مريم اتفاجئت.
إيه؟
لأنها لو قالتلك الحقيقة في التليفون، كانوا هيعرفوا مكانها.
مريم قربت منه.
مين هم؟
عمر بص للحارس.
اقفل الباب.
الحارس نفذ فورًا.
عمر رجع لمريم.
أنا مش طالب منك تثقي فيا. أنا طالب منك تسمعيني خمس دقايق.
اتفضل.
عمر أخرج موبايله وفتح صورة.
كانت صورة قديمة لبيت كبير.
البيت ده كان بتاع عيلتنا.
مريم بصت للصورة.
وبعدين؟
من حوالي سنة، أمي اكتشفت إن حد من أقرب الناس لينا كان بيسرب معلومات عن الشركة.
معلومات إيه؟
حسابات، عقود، تحويلات حاجات لو خرجت برا ممكن توقع شركات كاملة.
مريم سألته
وسعاد عرفت مين؟
عمر سكت.
عرفت شخص واحد.
مين؟
قبل ما يجاوب، سمعوا صوت ارتطام قوي من الخارج.
الحارس جري ناحية الشباك.
مريم ضمت نور ليها.
عمر قال
محدش يتحرك.
بعد ثواني، رجع الحارس وهو ماسك ورقة صغيرة.
كانت متعلقة في العربية.
عمر أخذها وفتحها.
الورقة كان مكتوب عليها
دور على مفتاح الخزنة قبل ما تندم إنك لقيت أمك.
مريم قربت منه.
إيه مفتاح الخزنة ده؟
عمر بص لها.
أمي هي الوحيدة اللي كانت تعرف مكانه.
مريم افتكرت فجأة حاجة.
استنى
عمر رفع حاجبه.
إيه؟
سعاد كان معاها مفتاح غريب.
شكله إيه؟
مريم بدأت توصفه.
وعمر بمجرد ما سمع الوصف، اتغيرت ملامحه.
مستحيل.
إيه؟
المفتاح ده اختفى من بيتنا من سنة.
مريم افتكرت شنطة سعاد.
يمكن لسه معاها.
عمر هز رأسه.
لو كان معاها، ما كانتش سابتني أدور عليها كل الفترة دي.
ثم توقف فجأة.
إنتِ وصلتيها لحد بيتها، صح؟
أيوه.
وعارفة عنوانها؟
أيوه.
عمر أمسك موبايله واتصل بأحد رجاله.
روحوا فورًا على العنوان اللي هبعتهولكم. من غير ما حد يدخل قبل ما تتأكدوا إن المكان آمن.
مريم سألته
ليه؟
عمر نظر لها.
لأن لو سعاد كانت هناك من الصبح
سكت.
يبقى إحنا متأخرين.
بعد أقل من عشر دقائق، وصلهم اتصال.
عمر رد.
اتكلم.
صمت وهو يستمع.
ثم تغير وجهه تمامًا.
إنت متأكد؟
مريم قربت منه.
فيه إيه؟
عمر قفل المكالمة.
البيت فاضي.
سعاد مش هناك؟
ولا هي، ولا أي حاجة تخصها.
مريم قالت
بس أنا وصلتها هناك امبارح.
عمر بص لها.
عارف.
يبقى راحت فين؟
عمر لم يرد.
الحارس أخرج جهازًا صغيرًا.
أستاذ عمر لقينا حاجة.
إيه؟
كاميرا مراقبة قديمة في الشارع المقابل.
شغلوا التسجيل.
ظهر فيه بيت سعاد.
ثم ظهرت سعاد وهي خارجة من البيت في الصباح.
لكنها لم تكن وحدها.
كان هناك شخص يمشي خلفها.
مريم قربت من الشاشة.
وقف الفيديو.
الحارس أوقفه.
مريم أشارت إلى الرجل.
أنا شفته قبل كده.
عمر التفت إليها بسرعة.
فين؟
مريم حاولت تفتكر.
ثم قالت
في السوبر ماركت.
سكت الجميع.
كان واقف بعيد وقت ما أنا ساعدت سعاد.
عمر أخذ نفسًا عميقًا.
يعني هو كان بيراقبها من قبل ما يشوفك.
مريم بصت للفيديو مرة تانية.
لكنها لاحظت شيئًا صغيرًا.
استنى
كبرت الصورة.
كان في إيد الرجل ظرف بني.
مريم قالت
الظرف ده
عمر قرب من الشاشة.
إيه؟
شوف الشعار اللي عليه.
كان شعار شركة السيوفي.
عمر اتجمد.
ده شعار شركتي.
مريم بصت له.
يعني الشخص ده تابع ليك؟
عمر هز رأسه ببطء.
أو حد عايزنا نصدق إنه تابع ليا.
وفي نفس اللحظة، وصل إشعار على هاتف مريم.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة لسعاد.
واقفة في مكان مظلم.
وتحت الصورة جملة واحدة
لو عايزة تشوفيها تاني خدي المفتاح وتعالي لوحدك.
مريم رفعت عينيها لعمر.
أنا معايا المفتاح.
عمر اتصدم.
إنتِ إيه؟
مريم فتحت شنطتها ببطء.
وأخرجت سلسلة صغيرة كانت سعاد أعطتها لها قبل أن تفترقا.
وفي نهايتها
كان معلقًا مفتاح معدني قديم.
عمر بص للمفتاح وكأنه شاف شبحًا.
أمي ما كانتش بتدي المفتاح ده لأي حد.
مريم قالت
يمكن كانت عارفة إنها مش هتقدر ترجعلك بنفسها.
عمر مد إيده.
لكن مريم رجعت المفتاح بسرعة.
لا.
مريم
لو الرسالة قالت أجي لوحدي، مش هروح.
عمر قال فورًا
وأنا مش هسمحلك تروحي أصلًا.
مريم بصت له.
يبقى نلاقي سعاد بطريقة تانية.
لكن قبل ما يكملوا
جاءت رسالة ثانية.
هذه المرة لم تكن صورة لسعاد.
كانت صورة لنور.
صورة التقطت لها وهي خارجة من المدرسة في اليوم السابق.
وتحتها
المفتاح قبل ما تخسري أغلى حاجة عندك.
مريم شعرت أن الأرض اختفت من تحت قدميها.
وعمر لأول مرة فقد هدوءه تمامًا.
مين
لمحة نيوز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *