ابويا الغنى

مختلف.
وفجأة سمعنا صوت باب المكتبة بيتقفل.
اتلفت.
كارولين كانت واقفة عند الباب.
قالت
سوسن… لازم أقولك حاجة قبل ما نكمل.
بصيت لها.
إيه؟
قالت
أنا مشيت ورا أبويا طول السنين اللي فاتت، وكنت فاكرة إني بحمي عيلتنا.
سكتت.
ثم قالت
لكن قبل وفاة حسن بيوم، دخلت أوضته بالصدفة… وسمعته بيتكلم مع شخص.
قلت
مين؟
قالت
ماشوفتش وشه.
سمعتي إيه؟
قالت
سمعته بيقول له لو حصل لي حاجة، سوسن لازم تعرف إن البنت التالتة هي اللي هتحميها.
سكتت لحظة.
ثم أضافت
وبعدها الشخص ده قال له جملة واحدة.
إيه؟
كارولين بصتلي في عيني.
قال له هي مش عارفة إنها بنتك أصلًا.
وقعت الورقة من إيدي.
في نفس اللحظة، سمعنا صوت خطوات جاية من الممر.
المحامي أطفأ النور بسرعة.
وقفنا كلنا في صمت.
مقبض الباب اتحرك.
الباب اتفتح.
ودخلت ست في منتصف الأربعينات.
أول ما شفتها…
حسيت إن ملامحها مألوفة بشكل غريب.
بصت لي مباشرة.
وقالت
أخيرًا… حسن مات.
المحامي اتجمد.
كارولين شهقت.
أما أنا…
فكنت باصة للست دي ومش قادرة أفهم ليه عينيها شبه عيني أمي بالضبط.
لكنها ابتسمت وقالت
سوسن… أنا جيت آخدك للمكان اللي أمك كانت فيه قبل ما تموت.
وفي اللحظة دي، فهمت إن السر اللي أبويا دفنه 34 سنة…
كان على وشك يطلع للنور فضلت واقفة مكاني، مش عارفة أتحرك ولا حتى أتكلم.
الست الغريبة قربت خطوة وقالت
متخافيش يا سوسن.
رديت بعصبية
إنتِ مين؟ وإزاي تعرفي أمي؟
قالت
أنا اسمي نادية.
المحامي اتغير وشه أول ما سمع الاسم.
قلت له
إنت تعرفها؟
رد بعد تردد
أيوه.
بصيت له بصدمة.
ومخبي عليا؟
قال
ماكنتش عارف إذا كان الوقت المناسب جه ولا لأ.
نادية قاطعته
الوقت المناسب مات من زمان.
كارولين قالت
يعني إيه؟
نادية بصت لها وقالت
أبوك كان عارف إن الحقيقة هتظهر يومًا ما.
قلت
الحقيقة بتاعة إيه؟
نادية طلعت صورة قديمة من حقيبتها.
مدتها لي.
كانت أمي فيها وهي شابة.
وبجانبها نادية.
لكن اللي صدمني إن في حضن أمي طفلة رضيعة.
بصيت للصورة، وبعدين بصيت لنادية.
مين الطفلة دي؟
نادية قالت
إنتِ.
اتسعت عيني.
أنا؟
هزت رأسها.
الصورة دي اتصورت قبل ما أمك تموت بسنة.
المحامي تدخل
وده معناه إن التاريخ اللي موجود في أوراق دار الرعاية مش صحيح.
قلت
يعني إيه؟
نادية قالت
أمك ما ماتتش وإنتِ عندك ست سنين.
سكت الجميع.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
أمال ماتت إمتى؟
نادية ردت
بعدها بسنين.
اتجمدت.
إيه؟
قالت
إنتِ كنتِ عايشة معاها فترة أطول مما فاكرة… لكن حد أخد منك ذكريات الفترة دي.
المحامي قال بسرعة
نادية، كفاية.
صرخت
لا! خليها تتكلم!
نادية بصتلي بحزن.
أبوك كان خايف إنك تفتكري اللي حصل.
سألت
إيه اللي حصل؟
قالت
في ليلة اختفاء محمود، حصلت مشكلة كبيرة في بيت أمك.
وبعدين؟
حسن خدك ومشي.
وأمي؟
نادية سكتت.
قلت
أمي راحت فين؟!
قالت
ده الجزء اللي لازم تشوفيه بنفسك.
طلعت مفتاحًا صغيرًا.
كان عليه نفس الرقم اللي ظهر في الورقة
41.
وقالت
المكان ده فيه تسجيلات وصور ووثائق تركتها أمك.
المحامي حاول يمنعها.
المكان خطر.
نادية ردت
الخطر الحقيقي إن سوسن تفضل جاهلة بالحقيقة.
كارولين فجأة قالت
أنا هروح معاها.
نادية بصت لها وقالت
لا.
كارولين استغربت.
ليه؟
قالت نادية
لأن حسن قال بوضوح إن سوسن لازم تدخل المكان لوحدها.
بصيت للمحامي.
هو ليه كان مصمم إني أدخل لوحدي؟
المحامي قال
لأن اللي جوه ممكن يخصك إنتِ وحدك.
وصلنا للمبنى القديم التابع للشركة بعد ساعة.
المكان كان مهجور.
الباب الحديدي عليه طبقة تراب سميكة.
دخلت المفتاح.
الباب اتفتح.
دخلت لوحدي.
كان فيه ممر طويل، وفي نهايته باب معدني.
رقم 41 كان واضح عليه.
فتحت الباب.
الأوضة كانت مليانة صناديق.
وفوق أول صندوق، لقيت ورقة بخط أمي.
مسكتها وبدأت أقرأ
لو سوسن وصلت للمكان ده، يبقى حسن فشل في حمايتها.
قلبي بدأ يدق أسرع.
لكن لو وصلتِ يا سوسن، متصدقيش أول شخص يقولك إنه عارف الحقيقة.
وقفت عن القراءة.
سمعت صوت حركة خلفي.
التفت.
مفيش حد.
رجعت للورقة.
وكان آخر سطر
ابحثي عن الصندوق رقم 6… لأن فيه الحقيقة اللي حسن خاف منها.
بدأت أدور.
واحد…
اتنين…
تلاتة…
لحد ما وصلت للصندوق رقم 6.
فتحته.
جواه ملف وصور.
لكن أول صورة شفتها خلت إيدي ترتعش.
كانت أمي واقفة أمام مستشفى.
وبجانبها حسن.
وبينهم…
طفلة صغيرة.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب خلفها
اليوم الذي قررنا فيه إخفاء حقيقة سوسن.
وفجأة سمعت صوت باب الأوضة بيتقفل من الخارج.
جريت عليه.
كان مقفول.
صرخت
مين هناك؟!
ولا رد.
وبعدين سمعت صوت شخص من خلف الباب
أخيرًا عرفتي مكان الصندوق.
صوت رجل.
صوت مألوف جدًا.
عرفته فورًا.
كان صوت أبويا.
لكن أبويا كان ميت.
والصوت قال
دلوقتي… هتعرفي ليه اخترتِك إنتِ بالذات وقفت قدام الباب وأنا مش قادرة أصدق اللي سمعته.
بابا؟!
جريت على الباب وخبطت عليه بكل قوتي.
مين؟! افتح!
الصوت رجع تاني، بنفس نبرة أبويا
متخافيش يا سوسن… أنا كنت عارف إنك هتوصلي هنا.
رجعت خطوة للخلف.
بدأت أفهم.
ده مش صوت أبويا الحقيقي.
كان تسجيل.
لكن السؤال الأهم…
مين اللي شغله؟
دورت في الأوضة بسرعة، لحد ما لقيت جهاز صغير مثبت تحت المكتب.
كان فيه مؤقت بيعد تنازليًا.
0947
قلبي وقع.
إيه ده؟!
حاولت أفتح الباب تاني، لكنه كان مقفول بإحكام.
فجأة ظهر تسجيل جديد.
صوت أبويا قال
لو وصلتي للغرفة 41، يبقى الشخص اللي وثقت فيه وصل قبلك.
وبعدها سكت.
ثم قال
سوسن… متدوريش على البنت التالتة.
اتجمدت.
لأنها مش شخص غريب.
الصوت توقف.
وبعد ثواني كمل
هي موجودة قدامك من زمان.
بصيت للصور المنتشرة على الأرض.
صورة أمي.
صورة حسن.
صورة كارولين.
وصورة لي وأنا طفلة.
ثم شفت صورة قديمة جدًا…
صورة نادية.
وكانت واقفة جنب أمي.
وفي الخلفية طفلة صغيرة.
لكن الطفلة دي…
كانت كارولين.
اتصدمت.
كارولين؟!
بدأت الصور تتجمع في دماغي.
نادية تعرف أمي.
كارولين كانت تعرف أمي.
وأبويا كان مخبي حقيقة البنت الثالثة.
لكن مين فيهم؟
فجأة سمعت صوت مفتاح بيتحرك في الباب.
اتراجعت.
الباب اتفتح.
دخل المحامي.
صرخت
إنت؟!
قال بسرعة
تعالي.
إنت اللي قفلت الباب؟
هز رأسه.
لأ.
طب مين؟
بص ناحية الممر.
مفيش وقت.
خرجت معاه.
لكن أول ما وصلنا للصالة، لقيت كارولين ونادية واقفين.
كارولين جريت عليا
إنتِ كويسة؟
بصيت لها بحذر.
إنتِ كنتِ عارفة إن الغرفة دي موجودة؟
سكتت.
قلت
جاوبيني.
نادية قالت
هي كانت تعرف.
كارولين بصتلها بغضب.
متدخليش.
قلت
يعني كنتِ بتخبي عليا؟
كارولين دموعها نزلت.
كنت بحاول أحميكي.
ضحكت بسخرية.
كل واحد بيقول إنه بيحميني!
المحامي قال
اسمعيني يا سوسن. في حاجة لازم تعرفيها قبل ما تحكمي على أي حد.
فتح الملف اللي أخدناه من الغرفة.
وأخرج ورقة.
دي نتيجة تحليل قديم.
بصيت للورقة.
كان فيها اسمين.
حسن… وسوسن.
وتحتهم
لا توجد صلة بيولوجية.
وقعت الورقة من إيدي.
بصيت للمحامي.
يعني إيه؟
قال
حسن مش أبوكي البيولوجي.
سكت.
كل حاجة في حياتي فجأة بقت بلا معنى.
طب ليه قال إنه أبويا؟
المحامي رد
لأنه كان أبوكي بالفعل… حتى لو مش بالدم.
نادية بدأت تبكي.
وقالت
وأمك كانت تعرف.
بصيت لها.
مين أبويا الحقيقي؟
سكتت.
المحامي قال
المفاجأة إن حسن ترك اسم الأب الحقيقي في رسالة منفصلة.
فين الرسالة؟
أشار للملف.
اختفت.
سألته
اختفت إزاي؟
رد
قبل ما نمشي من الغرفة 41.
وفجأة تليفون كارولين رن.
فتحت الرسالة.
وشها اصفر.
سألتها
في إيه؟
مدت لي التليفون.
الرسالة كانت من رقم مجهول
سوسن عرفت إن حسن مش أبوها… لكن لسه ماعرفتش مين أبوها الحقيقي.
وتحتها صورة.
صورة قديمة لأمي.
وبجانبها رجل آخر.
أول ما شفت وشه…
اتجمدت.
لأن الرجل ده…
كان نفس الشخص اللي ظهر في صورة عيلتي من 34 سنة.
محمود الراوي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في السطر الأخير
محمود مش اختفى… محمود عايش.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت عربية بتقف قدام القصر.
والباب الأمامي اتفتح.
دخل رجل مسن، لكنه كان واقف بثبات.
بصلي مباشرة.
وقال
سوسن…
ثم أضاف
أنا أبوكي فضلت واقفة مكاني، مش قادرة حتى أرمش.
بصيت للرجل قدامي، وبعدين للصورة اللي في إيدي.
نفس الملامح.
نفس العينين.
لكن عقلي كان بيرفض يصدق.
قلت بصوت مرتعش
إنت… محمود؟
هز رأسه.
أيوه.
قرب خطوة، لكن المحامي وقف بيني وبينه.
وقال بحزم
متقربش منها.
محمود وقف مكانه وقال
أنا مش جاي أؤذيها.
صرخت
أمال جاي ليه؟!
بصلي بحزن وقال
عشان أصلح حاجة كان لازم تتصلح من 34 سنة.
ضحكت بمرارة.
34 سنة؟! كل ده كنت فين؟
قال
كنت بحاول أرجع لك.
وليه ما رجعتش؟
سكت.
ثم قال
لأن كل مرة كنت بقرب منك، كان فيه حد بيبعدني.
بصيت للمحامي.
مين؟
محمود رد
أخوه.
وأشار ناحية فريد.
فريد كان لسه تحت حراسة الضابط، لكنه أول ما سمع اسمه ابتسم.
قال
لسه بتكذب زي زمان.
محمود بص له وقال
المرة دي مش هتقدر تسكتني.
فريد ضحك.
إنت فاكر إن معاك دليل؟
محمود قال
مش معايا.
ثم بص لي.
الدليل معاها.
اتجمدت.
معايا أنا؟
أومأ.
أبوك حسن خبّى الدليل الحقيقي عندك من يوم ما كنتِ طفلة.
المحامي قال
إيه الدليل؟
محمود رد
حاجة سوسن نفسها احتفظت بيها من غير ما تعرف قيمتها.
بدأت أفتكر حاجات طفولتي.
عروستي القديمة.
سلسلة صغيرة كانت أمي علقتها في رقبتي.
علبة خشب كنت بحط فيها حاجاتي.
قلت
أنا ماكانش عندي حاجة من أمي.
محمود ابتسم بحزن.
كان عندك.
ثم قال
لكن حسن طلب من دار الرعاية يحتفظوا بحاجة واحدة بعيد عنك.
اتسعت عيني.
إيه؟
قبل ما يرد، المحامي فجأة قال
السلسلة.
بصيت له.
إنت عارفها؟
قال
حسن وراني صورتها قبل موته.
محمود أضاف
السلسلة دي مش مجرد ذكرى.
قلت
أمال إيه؟
قال
جواها مفتاح.
كارولين قربت مني وقالت
مفتاح لإيه؟
محمود رد
لخزنة أم سوسن.
سكت الجميع.
ثم فجأة الضابط تلقى اتصالًا.
سمعناه يقول
إيه؟
وبعد ثوانٍ، رفع عينيه وقال
في خبر جديد.
بصينا له.
قال
دار الرعاية اتصلوا.
قلبي انقبض.
ليه؟
قال
قالوا إن فيه حد رجع للمكان بعد ما مشينا.
المحامي سأله
مين؟
الضابط رد
مش عارفين.
ثم أضاف
لكنهم لقوا غرفة 17 مفتوحة… والصندوق اللي كان فيه مستندات سوسن اتسرق.
بصيت للمحامي.
يعني حد كان مستنينا.
محمود قال بهدوء
مش مستنيكم.
ثم نظر إليّ مباشرة.
مستني المفتاح.
سألته
وأنا هلاقي السلسلة فين؟
محمود قال
في مكان أبوكي كان عارف إنك هترجعي له يومًا ما.
فين؟
رفع عيني ناحية الدور العلوي.
وقال
في أوضة نومك.
طلعت السلم بسرعة.
دخلت الأوضة.
بدأت أفتح الأدراج.
ولا حاجة.
فتحت الدولاب.
ولا حاجة.
ثم افتكرت جملة أبويا قبل موته
قريب هتفهمي كل حاجة.
وقفت وسط الأوضة.
بصيت للسرير.
وفجأة لاحظت إن واحد من ألواح الأرضية شكله مختلف.
انحنيت.
حركته.
ظهر تجويف صغير.
وجواه صندوق خشبي.
فتحت الصندوق.
كانت السلسلة موجودة.
لكن بجانبها ورقة مطوية.
فتحتها.
وكان مكتوب بخط أمي
سوسن، لو وصلتي للسلسلة دي، متروحيش للخزنة لوحدك… لأن الشخص اللي حماكي طول السنين مش هو الشخص اللي كنتِ فاكرة إنه بيحميكي.
وتحت الجملة كان فيه اسم واحد.
اسم الشخص

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *