انا اسفة جيت باليونيفورم

أول مرة أشوفها تضحك.

ضحكة بسيطة…

بس طالعة من قلبها.

قعدنا لحد المطعم قفل.

وأنا بوصلها، بصت ليونيفورمها وقالت:

“كنت متأكدة إنك أول ما تشوفني بالشكل ده هتمشي.”

ابتسمت.

وقلت:

“أنا شوفتك على طبيعتك… تعبانة، مرهقة، وجاية من الشغل… ومع ذلك جيتي.”

وطيت راسها.

ومعرفتش وقتها…

إن خطيبها القديم كان كل يوم يسمعها نفس الجملة:

“محدش هيستحمل يعيش مع واحدة شغلها أهم منه.”

ومن يومها، سارة بقت تعتذر عن كل حاجة.

تتأخر…

تعتذر.

ترد متأخر…

تعتذر.

تنام وهي بتتفرج على فيلم…

تعتذر.

وفي مرة، نامت فعلًا على كتفي في السينما.

ولما صحيت، قالت وهي مكسوفة:

“أنا أسوأ ديت في الدنيا.”

ضحكت.

وقلت:

“إنتِ كنتِ محتاجة تنامي أكتر ما كنتِ محتاجة تتفرجي على الفيلم.”

بعد 3 شهور، بقينا قريبين جدًا.

لكن في يوم، المستشفى عرض عليها أكبر ترقية كانت بتحلم بيها.

رئيسة تمريض الفترة الليلية.

مرتب أعلى.

منصب أكبر.

وساعات شغل أكتر بكتير.

كنت فاكر إنها هتكلمني وهي فرحانة.

لكنها اختفت فجأة.

بطلت ترد على مكالماتي.

وبعد أسبوع كامل…

وصلني ظرف من غير اسم مرسل.

جواه خاتم كنت ناوي أخطبها بيه…

ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها:

“سامحني… اخترت الشغل، قبل ما تجبرني أختار بينه وبينك.”

استقرت الورقة في كف إيدي، والخاتم الفضي البسيط كان بيلمع تحت إضاءة مكتب المقاولات الفاتحة. مسكت الورقة وقريت السطور الخمسة أكتر من عشر مرات، وكل مرة كنت بحس بغصة في زوري وجمرة نار بتتحرك في صدري.
سارة اختفت… مش لأنها مش بتحبني، ولا لأنها طمعت في الترقية، لكن لأن الخوف والتردد اللي اتزرعوا جواها من خطيبها القديم كانوا أقوى من ثقتها في المودة اللي بنيناها سوا. كانت فاكرة إن كل الراجل هييجي عليه يوم ويتخيرها بين شغله ووجوده، فاختارت تضرب الضربة الأولى بنفسها وتبعد عشان ترحم نفسها من كسرة قلب تانية كانت متوقعة إنها جاية لا محالة!
قفلت الورقة، وحطيت الخاتم في جيب جاكيت الشغل، ونزلت فوراً للعربية النص نقل.
الساعة كانت 11 بالليل.
اتجهت مباشرة لمستشفى الطوارئ اللي شغال فيها سارة. المطر كان بينزل خفيف على الإزجاج، وكل السكون اللي في شوارع القاهرة كان بيزيد من توتري. دخلت الاستقبال بحركة سريعة ومباشرة، ومشيت في الممرات اللي تفوح منها ريحة المظهرات الطبية.
كانت واقفة عند كاونتر التمريض، لابسة اليونيفورم الأزرق، شعرها الملموم بعناية، وعيونها شاحبة وتعبانة كأنها ما نامتش من أسبوع كامل. كانت بتراجع ملفات المرضى ويديها بتترعش خفيف.
أول ما قربت منها، زميلتها في الشغل حست بالتوتر وانسحبت ببطء.
سارة رفعت عينها… ولما شافتني واقف قدامها، اتجمدت مكانها. الملف وقع من إيدها على الأرض، وشفت الخوف والربكة في عينيها.
رجعت خطوتين لورا وقالت بصوت خافت مرتعش:
— “عمر؟! أنت… أنت إيه اللي جابك هنا في الميعاد ده؟! أنا بعتلك…”
قاطعتها بهدوء، وقربت وطيت رفعت الملف من على الأرض وحطيته على الترابيزة قدامها. طلعت الظرف والورقة والخاتم وحطيتهم جنب الملف.
بصيت في عينيها مباشرة وقلت بصوت دافي وثابت:
— “أنا جيت عشان أردلك الأمانة دي… وأصلح غلطة في حساباتك يا سارة.”
دورت عينيها في الأرض وقالت وهي بتحاول تمنع دموعها:
— “عمر أرجوك… ما تصعبهاش عليا وعليك. الترقية دي أنا حلمت بيها سنين، وساعات شغلي هتكون بالليل كلياً… أنت راجل شغلك صبحي ومتعب، ومفيش راجل بيستحمل مراته تسيب البيت بالليل عشان ترعاني ناس غريبة… أنت تستاهل واحدة تفضالك وتستناك.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وسحبت كرسي صغير وقعدت قدامها في نص صالة التمريض، والناس والعمال رايحين جايين.
قلت لها بكل صراحة وصدق:
— “أنا لما بدأت شغلي بعربية نص نقل قديمة واتنين صنايعية، كل الناس قالتلي أنت بتضيع عمرك ومش هتنجح. ولما بقيت أدخل البيوت والمواقع بهدومي المليانة تراب وزيت، الناس كانت بتبصلي بقلة تقدير… أنا أكتر واحد فاهم يعني إيه بني آدم يبني نفسه بعرق جبينه، وأكتر واحد أقدر قيمة الشغل الشريف والمجهود اللي بتعمليه.”
مسكت إيدها الباردة بين إيديا الاثنين وكملت:
— “أنا ما اتجوزتكيش عشان تقعدي في البيت تستنيني بالساعات وتعمليلي أكل. أنا حبيت سارة البنت القوية، الممرضة الشاطرة اللي بتسيب راحتها ونومها عشان تنقذ روح بتصرخ في الطوارئ. الترّقية دي مش حائل بيني وبينك… الترّقية دي خطوة نجاح لينا إحنا الاثنين!”
سارة بدأت دموعها تنزل بغير سيطرة، وبصتلي بذهول مش قادرة تصدقه:
— “يعني… أنت مش زعلان إن شغل الليل هيمنعنا نتقابل كتير؟! مش هتقولي لي زي غيرك إن الشغل أهم منك؟!”
طلعت الخاتم الفضي من الظرف، ومسكت صباعها ولبستهولها بهدوء، وقلت لها بابتسامة وغمزة ودودة:
— “أنا شغلي مقاولات وكهرباء يا سارة… يعني بصلح المقفول وأفوت للضوء يمر. لو أنتِ شغال ليل، أنا هظبط مواعيد مروري على المواقع عشان أكون مستنيكي باليونيفورم بتاعك قدام باب المستشفى الصبح ونفطر سوا… واليوم اللي تكوني فيه محتاجة تنامي، كتفي موجود وفي الخدمة 24 ساعة.”
سارة غطت وشها بإيديها الاثنين وقعدت تبكي بحرقة… لكن المرة دي كانت دموع ارتياح وأمان وشفاء من كل الخوف اللي عاشته سنين طويلة.
زميلاتها وموظفي الاستقبال اللي كانوا بيراقبوا المشهد من بعيد بدأوا يصفقوا بابتسامات دافية، والدكتور النبطشية قرب وبارك لينا وهو بيضحك.
النهاية:
بعد 6 شهور… اتجوزنا.
كانت جليسة الفرح أجمل ليلة في حياتنا. سارة كانت طالعة زي الفراشة بفستانها الأبيض الناصع، وأنا واقف جنبها ببدلتي الأنيقة بعد ما سبت التراب والسلالم ليوم واحد عشان خاطر عيونها.
حياتنا ما كانتش سهلة بالكامل… كانت فيه أيام يتغير فيها الجدول، وأيام ترجع هي فيها من شيفت الليل مهدودة من التعب، فتلاقيني مجهز لها الأكل والشاي، ومغطيها ومطفي النور عشان تنام براحتها. وفي الأيام اللي كنت أرجع فيها أنا من الموقع هدومي مليانة تراب وظهري مكسور من التعب، كانت هي تقعد جنبي وتعملي المساج بيديها الحنونة اللي بتشفي أجدع جرح.
بقيت كل يوم الصبح لما أعدي عليها عند باب المستشفى عشان أروحها بالعربية، ألقاها واقفة باليونيفورم الأزرق بتاعها… أبتسم من قلبي وأقول لها نفس الجملة اللي غيرت حياتنا من أول يوم:
— “أنا لسه عايز أكمل القعدة معاكي للآخر يا سارة.”
وعرفت إن الجواز الحقيقي مش راجل بيستنى ست تخدمه، ولا ست بتسيب أحلامها عشان ترضي راجل… الجواز الحقيقي هو اتنين يشيلوا بعض في التعب، ويحترموا شقا بعض، ويبنوا بيت على الأمان والتقدير المتكافئ اللي مفيش أي حاجة في الدنيا تقدر تكسره.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية 🦋🦋🦋

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *