جدي كل ما يجي يزورني

أستوعب.
الموقف اتكرر مرة ثالثة ورابعة.. كل ما يشوفني يهمسلي بنفس التحذير، وأنا مع الوقت، ومن كتر كلام أهلي وجوزي، يأست إنه يوضحلي أو يقول كلمة زيادة.. بقيت بطبطب على إيده وأهز رأسي وأقوله بقلة حيلة
حاضر يا جدي.. حاضر، مش هروح متقلقش.
ومع مرور الأيام.. تناسيت، وشيلت الفكرة من رأسي، وأقنعت نفسي تماماً إني كنت بوهِم نفسي بهلاوس راجل مسن، واتأقلمت عادي وعشت حياتي طبيعي جداً.
لحد ما في يوم كنت راجعة من السوق شايلة الشنط وتعبانة، فتحت باب الشقة ولقيت حماتي قاعدة مستنياني.. سلمت عليها بابتسامة، بس لاحظت إن نظراتها مش مريحة، وكان في جو غريب في البيت. بعد لحظات، حماتي وشوشت ابنهااللي هو جوزيوبدأوا يتكلموا مع بعض بصوت واطي جداً، كلام مكتوم ووشوشة وعينيهم بتيجي عليا ويرجعوا يبصوا لبعض.
أنا قولت أدخل أوضتي أغير هدوم السوق وأرتاح شوية ولسه هأدخل الأوضة.. لقيته جوزي بينادي باستعجال
لا يا هدى متغيريش هدومك.. خليكي زي ما انتِ!
لفيت بصيتله باستغراب وقولتله
ليه في إيه؟
رد وهو بيلبس ساعته وبيعدل القميص بسرعة
أنا رايح مشوار مهم دلوقتي حالا، تعالي معايا.. وماما

هتقعد هنا تخلي بالها من الأولاد لحد ما نرجع.
الكلمة وترتني.. تعالي معايا!
قلبي انقبض وافتكرت جدي فورا
بصيت لجوزي بقلق وسألته
مشوار إيه ده اللي دلوقتي؟ ورايحين على فين؟
رد بسرع
هقولك على الطريق.. يلا بينا عشان متأخرين.
كمت هرفض بس ملقتش حجه …كل ما اجيب سيرة جدي بيقولو ده راجل خرف ومتاخديش على كلامه.. غير إن حماتي كانت واقفةومكانش ينفع أرفض قدامها من غير سبب واضح.
حماتي قربت مني وقالتلي بابتسامة غريبه
روحي يا حبيبتي مع جوزك ومتقلقيش خالص على العيال.. العيال في عينيا، يلا مع السلامة.
نزلت معاه وطول الطريق وأنا قاعدة جنبه في العربيه بقلق، وكل شوية أسأله إحنا رايحين فين؟ وهو يرد بإجابات مبهمة ويقولي سيبسها على الله، قربنا نوصل اهو.
ولما العربية وقفت، ونزلنا ووصلنا للمكان..
الدنيا اسودت في وشي، وعرفت الحقيقة وقتها اتمنيت من كل قلبي لو كنت صدقت جدي من أول يوم، ولو كنت فهمت إن الراجل ده مكانش بيخرف ولا حاجة.. ده كان الوحيد فينا اللي شايف الحقيقه بس للأسف.. فهمت بعد ما بقيت جوه الفخ !!!!
نزلت من العربية ورجلي بتترعش، الهواء كان ساقط وتقيل كأنه
بيرفض يخليني أتنفس. المكان كان شبه مهجور، طريق مقطوع في أطراف الجيزة، على جنب منه مبنى قديم لافف حواليه سور عالي مصدي، ومفيش أي يافطة توضح ده إيه.
بصيت لجوزي محمود بذهول، لقيته بيعدل لياقته ونظراته اتغيرت تماماً.. الملامح الهادية والضحكة اللي كنت بحبها اختفت، وحل محلها برود يرعب.
إحنا فين يا محمود؟ ده مش مشوار شغل، إيه المكان ده؟!
محمود مسك إيدي بقوة مش طبيعية، قوة حسيت معاها إن عظام صوابعي هتتكسر، وقال بنبرة حادة خاليا من أي رحمة
امشي وأنتِ ساكتة يا هدى.. مش عاوز كلام كتير هنا، الناس مستنيانا جوه.
جرّني وراه، وباب الحديد المصدّي اتفتح بصوت يجرّح الودان. أول ما دخلنا المبنى، شميت ريحة مطهرات حادة مخلوطة برطوبة وعفن.. ممر طويل، إضاءته فلورسنت بترمّش وتعمل صوت زنة توتر الأعصاب. وفي آخر الممر، كان واقف راجل ببالطو أبيض، بس شكله يقطع الخلف.. عيونه زايغة وشعره منكوش، وجنبه اتنين ممرضين أجسادهم ضخمة كأنهم مصارعين.
الراجل اللي بالبالطو بص لمحمود وقال بنبرة تجارية بحتة
هي دي الحالات المذكورة؟ الورق جاهز والشيك اتصرف، يادوب نمضي الإقرار.
هنا صړخت.. صړخة
هزت أركان المكان
إقرار إيه؟!

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *