حماتي عملت عزومة عشا عشان تحتفل بإنها خلصت أقساط شقتها، وقالت بصوت عالي قدام الكل عزومتكم الليلة دي على حسابي! لكن أول ما الفاتورة وصلت، زقتها ناحيتي كإنه فرض عين عليّا.. واليوم ده اكتشفت إن جوزي بقاله شهور بيدفع في مصېبة تانية من ورا ضهري وتمنها أكبر بكتير. الحاجة آمال اختارت مطعم سمك معروف على كورنيش إسكندرية، وعزمت ولادها التلاتة بأجوازهم وشوية من القرايب؛ بحجة إن خلاص شيل هم أقساط الشقة بعد السنين دي كلها يستاهل احتفال. قبل ما أخرج من البيت، عملت حركة عمري ما عملتها سيبت كل كروتي ومحفظتي في البيت. تسع سنين جواز فهموني كويس إن على حسابي في قاموس حماتي معناها الصريح بطة هي اللي هتحاسب في الآخر. العشا مشي بين ضحك ومباركات لحد ما الحساب جه. الحاجة آمال حتى مكلفتش نفسها تفتح الفولدر، وزقته قدامي وقالت ببرود حاسبي إنتي يا بطة، وابقوا صفّوا الحساب إنتي وحسام بعدين. ابتسمت وقولت معيش كروت. سِلفتي ليلى ضحكت بصفار حولي إنستاباي يا ستي! نسيت الموبايل كمان في البيت. الضحك اتقطع فجأة، وحسام جوزي بصلي بدهشة إنتي عملتي كده قاصدة؟ أه. الحاجة آمال وشها اتقلب ورمت كلمتها وهي دي أصول برضه؟ فيه واحدة تيجي عزومة عيلة وإيدها فاضية؟ اللي سمعت حضرتك وإنتي بتقولي العزومة على حسابك جاية باعترافك ده. ردت بإن الأهل مبيعدوش القرش على بعض، وبشكل عجيب القاعدة دي مابتظهرش إلا لما الفلوس تطلع من جيبي أنا. حسام حب يلم الموضوع وطلع فيزته خلاص يا جماعة، أنا هدفع. الحاجة آمال اتنفضت وزعقت لأ! إنت متدفعش مليم! الموقف لفت نظري؛ إزاي أنا أدفع عادي وابنها خط أحمر وميطلعش قرش؟ في الآخر حمايا أو سلفي التاني دفعها وهو بيتأفف، والكل خرج قالِب وشه عليّا. في الجراج حسام اڼفجر كان لازم يعني تفضحي أمي وتكسري كلمتها؟ وإنت ليه أمك حلفت ما تدفع إنت؟ سكت ومردش. أول ما وصلنا دخل الحمام، وأنا بعلق الجاكيت بتاعه لقيت إيصال في جيبه؛ مكنش من المطعم، كان وصل أمانة ورهن من محل دهب وصاغة معروف. كان فيه قسط شهري كبير مدفوع باسم حسام. تاني يوم اتصلت بالمحل بحجة الاستفسار، الموظف راجع الرقم وقالي ده قسط تجديد رهن على أطقم مصوغات دهب. أطقم إيه بالظبط؟ للأسف يا فندم تفاصيل القطع لصاحب الرهن بس. سكت ومواجهتش حسام، واستنيت. بعد يومين لقيت الحاجة آمال عندنا ولابسة الغويشة اللي دايماً بتتباهى إنها من ريحة المرحوم جوزها، بس لما ركزت فيها لقيت الفص فيه شرخ مكنش موجود قبل كده.. كانت بديل فالصو. بالليل فتحت دولاب الأوراق؛ لقيت كشوفات حساب بنكية ناقصة، وصورة من بطاقتي الشخصية مش موجودة! دخلت على أبليكيشن البنك بتاعه وفتشت في التحويلات، لقيت مبالغ بتخرج شهرياً بقالها حداشر شهر تحت مسميات وهمية.. أرقام تعدي تمن عشا المطعم بمراحل. حطيت الأرقام قدامه أول ما رجع إنت بتدفع الفلوس دي لمين؟ وشه جاب ألوان وتمتم بطة.. اسمعيني بس.. عشان أمك، صح؟ مردش، وده كان كافي جداً. أخدت مفاتيح عربيتي وطرت على شقة حماتي. كنت فاكراها لوحدها، بس أول ما دخلت لقيت الصالة مقلوبة كراتين وصناديق دهب مفتوحة وورق متفرط على السفرة، وسلفتي ليلى قاعدة بتسجل في لستة. إيه اللي بيحصل هنا؟ محدش نطق. عيني وقعت على كرتونة كبيرة ملزوق عليها تيكت مكتوب عليه اسمي أنا فاطمة. قربت وفتحتها وحماتي بتحاول تشدها مني متمديش إيدك على حاجة متخصكيش! فتحتها ڠصب.. مكنش فيها دهب؛ كان فيها صور إيصالات أمانة، وحصر ركات، وصورة واضحة جداً لعمارة أهلي في المنصورة، ومكتوب فوقيها بالقلم الجاف رقم خيالي يمثل تقييم تمنها وسعر بيعها النهاردة! بصيت ورايا لقيت حسام لسه داخل وقفل الباب وراه وشه في الأرض، وحماتي نطقت بالجملة اللي خلت خناقة المطعم دي جنبها لعب عيال عشان حسام أكدلنا إن العمارة دي مسيرها هتبقى بتاعتكم وبيتكوا في الآخر.. ومن حقنا نأمن نفسنا! الجزء التاني الحقيقة الكاملة الډم غلي في عروقي وبصيت لحسام وأنا مش مصدقة اللي بسمعه بتسعروا بيت أبويا وأمي وهما لسه عايشين؟! وبتاخد صورة بطاقتي عشان إيه؟ حسام حاول يقرب مني ويهديني بطة افهمي.. أمي اتورطت في جمعيات وقروض من ورا إخواتي عشان تخلّص أقساط شقتها وماتتحبسش، والناس كانت هتحجز على دهبها، فكنت بفك الرهن شوية بشوية. حماتي قاطعته بمنتهى الجحود ومن غير ما يرمش لها جفن وطي صوتك يا بت إنتي، البيت ده كده كده هيورثه حسام مع باقي إخواتك، وحسام شايل طوبة أمي ومسدّد ديوني.. إنتي غريبة عننا ومعندكيش ولد يورث، لو جرالك حاجة ولا اطلقتوا كل ده هيروح للغريب، إحنا بنعمل حساب بكرة وبنضمن حق ابننا اللي حيلته ضاعت عليكي! اكتشفت المخطط كله في ثواني حسام كان بيستغل توكيل عام كنت عاملاه له من سنين في أمور البنك وبيت أهلي عشان يرهن نصيبي كضامن لقروض أمه، وسلفتي ليلى كانت قاعدة تفرز التركة عشان تضمن نصيب جوزها من فلوس الهانم. رجعت خطوتين لورا ومسحت دموع الغدر اللي كانت هتنزل تمام.. يعني العزومة والفيش والتشبيه ده كله عشان تضمنوا حقكم في لحم كتاف أبويا؟ طلعت تليفوني بهدوء وطلبت رقمين ورا بعض؛ الأول كان لمحامي العيلة وقولتله جملة واحدة إلغي التوكيل العام فوراً اللي باسم حسام واقفل كل الحسابات المشتركة، واعملي محضر سړقة أوراق رسمية. والرقم التاني كان لوالدي، حطيته على الاسبيكر وحكيتله اللي بيحصل قدامهم بالحرف. حسام وشه بهت وركبه خبطت في بعضها؛ لأن والدي هو اللي مشغله في شركته وهو صاحب الفضل في كل قرش بيقبضه. بصيت لحماتي اللي كانت بتفرك إيديها بتوتر، ورميت المفاتيح في وش حسام مبروك عليك الشقة اللي خلصت أقساطها يا حسام، بس من اللحظة دي.. شغلك مع والدي بح، وبيتي متدخلوش تاني، وفلوسي اللي طلعت من ورا ضهري هتترد بالمليم يا إما وصل الأمانة اللي في جيبك هيروح للنيابة وتتحبس إنت وأمك سوا.. وإبقى خلي العمارة تنفعكوا! خرجت وقفلت الباب ورايا على صوت صړيخ حماتي وهي بتلطم على حسام اللي انهار وقعد على الأرض بعد ما خسر مراته، وشغله، وسمعته في ليلة واحدة. وقفت في نص الصالة والدم نشف في عروقي، ببص لحسام ومستنية أي مبرر عاقل يخرج من بقه، بس نظرته المکسورة كانت كفيلة تأكدلي إن كل ورقة قدامي على السفرة دي حقيقية. بتسعّروا بيت أبويا وأمي وهما لسه في الدنيا؟! بتاخد صورة بطاقتي عشان إيه يا حسام؟ عشان تمضي بدالي؟ حسام قرب خطوة وإيده بتترعش، حاول يمسك إيدي بس رجعت لورا ونفضته بطة.. اسمعيني والله العظيم ما زي ما أنتي فاكرة! أمي اتزنقت.. دخلت جمعيات بأرقام خيالية وكتبت شيكات ووصولات أمانة عشان تخلّص أقساط الشقة من غير ما إخواتي يشيلوا مليم.. كانت هتتحبس الأسبوع الجاي والناس كانوا هيحجزوا على دهبها، فكنت بفك الرهن شوية بشوية من غير ما أعمل شوشرة. حماتي قاطعته بمنتهى البرود، نفضت جلابيتها وقامت وقفت قدامي وهي بتبصلي من فوق لتحت وطي صوتك يا بت أنتي، إحنا في شقتي ومحدش يعلي حسه عليا! البيت ده حسام شايل طوبة أمي ومسدّد ديوني بسببه، وأنتي وأبوكي خيركم مغرقكم، هيجرى إيه يعني لما يشيل قرشين من ورثك المستقبلي عشان يسند جوزه وأمه؟ أنتي غريبة عننا ومعندكيش ولد يشيل اسم العيلة، لو جرالك حاجة ولا اطلقتوا كل ده هيروح للغريب! إحنا بنعمل حساب بكرة وبنضمن حق ابننا اللي حيلته كلها ضاعت عليكي وعلى عيشتك! سلفتي ليلى مطت شفتها وكملت وهي بتهز رجلها وبعدين يا فاطمة أنتي زعلانة ليه؟ هو أنتي كنتي هتحسي بالمليون ولا الاتنين دول يعني؟ ما البيت كبير وعمارة المنصورة دي لو اتقسمت هتطلعلك بالشيء الفلاني، حسام بس كان بيعمل دراسة جدوى عشان نشوف هنقفل الديون إزاي.. بلاش تفتعلي مشاكل وتعملي فيها دراما وتخربي على نفسك وعلى بيتك. الكلام نزل عليا زي مية ساقعة فوق نافوخي، وبدأت أجمع الخيوط بسرعة مرعبة التوكيل العام اللي حسام ألح عليا أعملهوله السنة اللي فاتت عشان يسلك بيه أوراق الضرائب العقارية لبيت المنصورة لما بابا تعب، الكشوفات اللي اختفت من الدرج، الدهب الفالصو اللي حماتي لابساه بعد ما رهنت الأصلي، والتحويلات اللي طالعة شهرياً تحت بند استثمار وتجارة. حسام مكانش بس بيسدد ديون أمه.. حسام كان بيستعمل توكيلي كضامن مالي لشركات تمويل وقروض شخصية باسمي وبضمان حصتي عشان يسد عجز أمه، وليلى قاعدة تفرز التركة عشان تضمن إن جوزها له مناب من الكعكة لما البيت يتباع. ضحكت ضحكة ۏجع، صوتها رن في الصالة وخلّى الكل يبصلي بقلق. دراسة جدوى؟ بتعملوا دراسة جدوى على أملاك والدي اللي جابها بعرقه وشقاه عشان تسددوا بيها طمعكم؟ ده أنا كنت بقول عليكي أمي، وبقول حسام سندي اللي أسلّمه روحي وأنا مغمضة! حسام صوته اتخنق وقال بطة والله مكنتش هضرّك، أنا كنت هدفع الأقساط من مالي الخاص وارجع التوكيل ومحدش كان هيحس بحاجة، بس الديانة زنقوا أمي وخلاص كانوا هياخدوا حكم محكمة.. من مالك الخاص؟! هو إنت مش شغال في شركة المقاولات بتاعة أبويا أصلاً؟ هو إنت في قرش بيدخل جيبك إلا وفضل أبويا فيه بعد ربنا؟ فتحت شنطتي وطلعت الموبايل بهدوء تام، البرود اللي نزل عليا فجأة ړعب حسام أكتر من الزعيق. أول ما شاف الشاشة نورت، مد إيده بلهفة أنتي هتعملي إيه؟ متكبريش الموضوع يا فاطمة، نقعد في بيتنا ونتفاهم بالهدوء! التفاهم خلص يا ابن الحاجة آمال من اللحظة اللي دخلت فيها عمارة المنصورة في حساباتك القڈرة. طلبت رقم المحامي الخاص بالعيلة وفتحت الاسبيكر ألو، أستاذ رفيق.. صباح الخير. عايزاك تجهزلي فوراً إنذار رسمي بإلغاء التوكيل العام رقم ٤٢٥ اللي باسم حسام، وتسحبلي برنت من الشهر العقاري بكل معاملة تمت بيه خلال الست شهور اللي فاتوا. واقفل الحساب البنكي المشترك، واعملي مذكرة للنيابة بسړقة مستندات رسمية وأصول عقود ملكية من بيتي. حسام لونه اتخطف وعرق بارد نزل على وشه أنتي بتهزري صح؟ ده فيها حبس ليا وليكي لو البنك اتحرك! فيها حبس ليك إنت لوحدك يا حسام، لأن كل ورقة طلعت من ورايا، والتوكيل كان منصوص فيه على إدارة بس مش رهن ولا بيع. حماتي وقفت مصډومة ولسانها ارتبك أنتي هتفضحي ابننا عشان حتة ورقة؟ بتبيعي جوزك اللي صانك تسع سنين عشان قرشين ۏسخ دنيا؟! بصيتلها بقرف، ومن غير ما أرد عليها، طلبت النمرة التانية.. نمرة والدي. رن جرسين والتالت كان بابا بيرد بصوته الوقور أيوة يا بطة يا بنتي، خير؟ لسه مخلصة عزومة حماتك ولا إيه؟ حسام ركبه خبطت في عضها ورفع إيده يتوسل ليا أقفل، بس أنا قربت الموبايل من بقي وحكيت كل حاجة باختصار شديد التوكيل، تقييم العمارة، إيصالات الصاغة اللي في جيب البدلة، والكرتونة اللي متسمية باسمي في صالة أمه. الصمت اللي جه من طرف بابا في المكالمة كان مرعب أكتر من أي زعيق، وفجأة قال بصوت قاطع رج الشقة كلها حسام متدخلوش البيت يا فاطمة، وسيبك من كل الهري ده.. دلوقتي حالا المحامي نازل بالبوليس على شقة أمه يحرز الورق والدهب اللي اتعمل بيه اللعبة دي، والصبح مش عايز أشوف وشه في الشركة. قفلت المكالمة ورميت مفاتيح العربية في الأرض تحت رجلين حسام. حماتي قعدت على الكنبة بتلطم على وشها بعد ما حست إن المركب بټغرق بجد، وليلى سلفتي شالت شنطتها وبدأت تنسحب ناحية الباب من سكات كإنها مكنتش شريكة في القعدة. وقفت قدام الباب الخارجي وبصيت لحسام وهو قاعد على ركبه بيحاول يجمع أوراق عمارة المنصورة اللي وقعت وتبعثرت اللي بدأ بالكدب والرخص يا حسام.. هينتهي في المحاكم. والحساب بيننا لسه مبدأش. نزلت على السلم وسط صړيخ أمه اللي مالي العمارة، وخطواتي ثابتة، بس جوايا سؤال واحد كان بياكل في عقلي هل حسام اتورط فعلاً عشان أمه، ولا كان بيستدرجني لتنازل أكبر لسه مكنتش كشفته في باقي الكراتين؟ الفصل الثالث والأخير نزلت على السلم ورجلي بتتسابق مع دقات قلبي. كان صوت صړيخ حماتي الحاجة آمال لسه بيرن في مدخل العمارة كأنه كابوس مش راضي يخلص، صوت تلطيمها على وشها وخۏفها على ابنها اللي ضيع نفسه بإيده. ركبت عربيتي وقفلت الباب بالقفل المركزي، وفضلت قاعدة ورا الدريكسيون لثواني بحاول أتنفس، الهوا كان حامي وخانق كأنه بيمر في حلقي بصعوبة، وإيدي بتترعش على المفتاح لدرجة إن العربية ما دارتش من أول مرة. دورتها وانطلقت، باصة قدامي في المراية على مدخل البيت، شفت حسام طالع يجري على الشارع بقميصه الأبيض اللي اتعفر من ركوعه على الأرض، بيشاور بإيديه الاتنين وعينيه طالعة لبرة من الړعب، كأنه عيل تاه من أمه في مولد ومش لاقي سكة يرجع منها. دوست بنزين وسيبته ورا ضهري، سيبت تسع سنين كاملين من عمري بيتبعتروا مع دخان الشكمان وعفار الشارع. طول الطريق من إسكندرية للقاهرة على الصحراوي، عقلي كان شغال زي مكنة خياطة عطلانة بټضرب في الفاضي والمليان. افتكرت كل مرة حسام كان يجيلي فيها وشايل طاجن ست الحبايب في إيده، كل مرة كان يقولي فيها معلش يا بطة، أمي غلبانة وطول عمرها شقيانة على إخواتي، كبري عقلك عشان خاطري. افتكرت لما كنت بشتريلها هدايا عيد الأم طقوم دهب، ولما كنت باخدها معايا أفسحها وأشتريلها عبايات من أغلى المحلات عشان أحسسها إنها زي أمي بالظبط، مكانتش كلمة بتخرج مني تزعلها، وكنت دايماً ببتلع الإهانة لما تقول قدام سلايفي مرات حسام أصلها وحيدة ملهاش إخوات يكسروا عينها، عشان كده مدلوقة علينا. كنت بعدي وأقول دي ست كبيرة في مقام والدتي، والراجل شاري وبيحبني ومش هخرب على نفسي عشان خاطر حتة كلمة طلعت في ساعة صفا. وصلت بيت بابا في المعادي على الفجر. لقيت الباب موارب، والأنوار كلها والعة كأننا في عز الضهر، وأستاذ رفيق المحامي قاعد على الصالون المدهب وفاتح اللاب توب والملفات مفروشة قدامه على الترابيزة كلها. بابا أول ما شافني، قام من مكانه بخطواته الرزينة، شعره الأبيض ووقاره اللي طول عمره بيحسسني إني مسنودة على جبل عاتي مبيتهزش. قرب مني وفتح دراعاته من غير ما ينطق ولا كلمة، وأول ما راسي لمست صدره، العياط اللي كنت حابساه طول الطريق اڼفجر. عيطت بحړقة تسع سنين، عيطت على البنت اللي صدقت إن الحب كافي، واللي كانت فاكرة إن البيت اللي بيتبني على التنازلات ممكن يعيش ويثبت قدام أول ريح. طبطب على ضهري وقال بصوت هادي يوزن بلد اهدي يا بنتي، دموعك دي غالية عندي أوي ومفيش راجل في الدنيا يستاهل ينزل منها نقطة واحدة. اللي يخون الأمانة ويطمع في مال مراته وأهلها ميبقاش راجل، يبقى ندل، وإحنا ربنا كرمنا بإننا كشفنا الندالة دي بدري قبل ما نكون تحت رحمتهم. اقعدي واسمعي أستاذ رفيق بيقول إيه. قعدت وأنا بنشف دموعي وببص للورق اللي على الترابيزة. أستاذ رفيق عدل نضارته الطبية وبصلي بنظرة مليانة أسف وجدية، وبدأ يتكلم بصوته الهادي الحاسم مدام فاطمة، الموضوع أكبر بكتير من مجرد رهن دهب أمه أو سداد ديون الجمعيات. حسام استغل التوكيل العام اللي عملتيه له لما والدك عمل العملية السنة اللي فاتت، والتوكيل ده للأسف كان فيه بند صريح بيدي له حق التعامل مع البنوك باسمك وفتح حسابات وأخذ قروض وتسهيلات ائتمانية. حسام كان مقدم على قرض استثماري ضخم بضمان حصتك في عمارة المنصورة، والقرض ده قيمته تلاتة مليون جنيه، كان المفروض يتصرف خلال أسبوعين من دلوقتي. شهقت وحطيت إيدي على بقي تلاتة مليون؟! وده كان هيوديهم فين؟ أمه مديونة بمبلغ زي ده؟ رد رفيق وهو بيشاور على ورقة تانية مطبوعة لأ يا بنتي، أمه ديونها متجيش ميتين ألف جنيه، ودي ديون الجمعيات اللي عملتها عشان تجيب أجهزة كهربائية وشوية عفش لبنتها الصغيرة. حسام كان ناوي ياخد الملايين دي ويحطها في مشروع مقاولات باسمه هو وسلفتك ليلى وجوزها مصطفى أخوه الكبير، يعني كانوا بيعملوا شركة مقفولة على عيلتهم هما التلاتة بفلوسك وضمان شقا أبوكي، وأنتي تبقي لابسة في الحيط ومديونة للبنك، ولو حصل أي تعثر، البنك يحجز على نصيبك في العمارة ويبيعها في المزاد العلني، وهما يخرجوا منها زي الشعرة من العجين بفلوس سائلة ومشاريع شغالين بيها! الدنيا لفت بيا، حسيت إن الأرض بتميد تحت رجليا. يعني جوزي، الإنسان اللي كنت بنام جنبه وأنا مطمئنة، اللي كان بيقولي إنتي الهوا اللي بتنفسه، كان بيحفرلي حفرة أدفن فيها أنا وعيلتي عشان يعمل لنفسه اسم على قفانا؟ ده كان بيبيعني بالمعنى الحرفي للكلمة! كان بيخطط مع أمه وأخوه وسلفتي عشان يقلبوني في ورثي المستقبلي ويكسروا مناخيري، عشان أرجع أمد إيدي ليهم وأبقى تحت رحمتهم. بابا خبط بإيده على الترابيزة وقال بنبرة قاطعة من اللحظة دي، مفيش تراجع يا رفيق. عاوز كل الإجراءات القانونية تاخد مجراها فوراً وبأقصى سرعة. رد المحامي متقلقش يا حاج، أول حاجة عملتها إني بعتت إخطار رسمي على يد محضر للشهر العقاري بإلغاء التوكيل، وحطيت البنك في الصورة بإيقاف صرف أي قروض أو تسهيلات باسم مدام فاطمة، وبلغنا الشؤون القانونية في البنك إن فيه شبهة تزوير واستغلال توكيل بدون إذن الموكل. وتاني خطوة، الصبح بدري هيكون فيه محضر في مباحث الأموال العامة ومحضر سړقة أوراق رسمية وخېانة أمانة ضد حسام، وضد ليلى ومصطفى پتهمة الاشتراك في التدليس ومحاولة الاستيلاء على أموال الغير. اليوم ده عدى عليا كأنه سنة كاملة، النوم مكنش راضي يقرب من عيني. كنت قاعدة في أوضتي القديمة في بيت بابا، الأوضة اللي سيبتها بفستان الفرح وأنا فاكرة إني رايحة للجنة. كانت ذكرياتي معاه بتمر قدام عيني زي شريط سينما، كل هدية جابهالي، كل ضحكة، كل خناقة كان بينزل فيها على رجلي عشان يراضيني.. بقى كله كدب؟ للدرجة دي الفلوس بتعمي النفوس وتغير القلوب؟ ولا هو كان كده من الأول وأنا اللي كنت عامية ومش شايفة غير اللي أنا عايزة أشوفه؟ الساعة تمانية الصبح، تليفوني مكنش بيبطل رن. رنات ورا رنات من أرقام مختلفة، وفي الآخر رن رقم حماتي، فتحت الخط وحطيت على الاسبيكر ومردتش، سمعت صوتها وهي بټعيط وتندب يا فاطمة.. يا بنتي حرام عليكي، فكيها بقى، حسام واقع في المستشفى وضغطه عالي والدكاترة بيقولوا عنده جلطة خفيفة! هترضيها في جوزك وأبو عيالك المستقبلي؟ إحنا غلطنا يا ستي، غلطنا وحقك على راسي، والفلوس اللي طلعت كلها هنرجعها، بس بلاش تدخلي البوليس والمحاكم بيننا، إحنا طول عمرنا مستورين ومحدش سمع عننا حاجة وحشة! ده حسام كان بيحبك وعمره ما فكر يؤذيكي، ده كان متورط وبيحاول يلاقي مخرج! رديت عليها بصوت هادي وبارد كالتلج اللي متورط ميسرقش ورق مراته من ورا ضهرها يا حاجة آمال. اللي متورط ميروحش يسعر بيت حماه وهو لسه عايش على وش الدنيا، ويقعد مع سلايفي يعمل لستة بتمن دهبي وعفشي. انتوا مفكرتوش في المستشفيات ولا الفضايح لما كنتوا بتخططوا تطردوني من مال أبويا وتخلوني شحاتة على بابكم؟ انتوا زعلانين دلوقتي عشان الحبل اتلف على رقابكم، مش عشان ندمانين على اللي عملتوه. وقبل ما تنطق بكلمة تانية قفلت السكة في وشها وعملت للرقم بلوك، وقفلت كل الخطوط اللي ممكن توصلهم بيا. الساعة تسعة، بابا نزل الشركة في التجمع الخامس، وأنا أصريت أروح معاه. كنت عاوزة أواجه الواقع بنفسي، مكنتش عايزة أستخبى ورا ضهر حد. أول ما دخلنا الشركة، الموظفين كلهم كانوا بيبصوا بتوتر، والأجواء كانت مكهربة ومشدودة. حسام كان موجود في مكتبه، مكنش في المستشفى ولا حاجة، دي كانت حيلة رخيصة من حيل أمه عشان تستعطفني. أول ما شافنا داخلين، قام من مكانه بسرعة وجري ناحية بابا، وشه كان أصفر شاحب، وتحت عينيه سواد تقيل، وعينيه تايهة مش قادرة تثبت في مكان واحد. عمي.. أرجوك اسمعني دقيقة واحدة بس، خليني أوضح لحضرتك الصورة كاملة! بابا وقف قدامه بكل هيبة وشموخ، حط إيده في جيبه وبصله بنظرة خلت حسام يرجع خطوة لورا عمك؟ أنا مش عمك، ولا يشرفني أكون عم لواحد خان الأمانة ومد إيده على بيت اللي أمنه على بنته وشركته. إنت مفصول يا حسام، مفصول بقرار مجلس إدارة، ومش بس كده، المحاسب القانوني واللجنة المشكلة من الشركة دلوقتي جوة مكتبك بيراجعوا كل مليم دخل وخرج تحت إيدك في السنتين اللي فاتوا، وأي عجز في العهدة هينزل في بلاغ النيابة مع قضية خېانة الأمانة. حسام انهار، نزل على ركبه قدام الموظفين كلهم ومبقاش فارق معاه البرستيج ولا الشكل العام اللي كان بيتحامى فيه أبوس إيدك يا عمي، بلاش الڤضيحة! بلاش المحاكم! والله العظيم ليلى ومصطفى هما اللي زنوا عليا، هما اللي قالوا لي إن فاطمة وحيدة وأبوها ملياردير ومش هيحسوا بالفلوس دي، وإننا أولى نعمل كيان لنفسنا بدل ما نفضل شغالين تحت رحمة حد! أنا كنت غبي، اتعميت.. الشيطان شطرني يا فاطمة! بصيتله وأنا حاسة باشمئزاز مقدرش أوصفه، الراجل اللي كنت شايفاه سندي وقوتي، بقى كوم تراب واقع على الأرض بيستجدي الرحمة بعد ما كان بالأمس بيسن سنانه عشان ينهش لحمي. إنت متعميتش يا