هو انت مستخسر
طارق؟ فاكر لما أبويا عيي بكانسر الكبد من تلات سنين؟ فاكر لما طلبت منك ننقله مستشفى نضيفة في الدقي،
قولتلي إيه؟ قولتلي العين بصيرة والإيد قصيرة ومفيش سيولة، ومستشفيات الحكومة زحمة، خليه في سرير المستلزمات الطبية ده في البيت والموت علينا حق ومتبذريش في علاج ملوش رجا.
سكتت لحظة، الصمت كان أتقل من جبل على كتافهم. السرير ده كان مرمي في مخزن عمارتكم تحت من يوم ما أبويا مات. سيبتوه يصدي تحت مع الكراكيب. أبويا مات على السرير ده عشان مكنش في سيولة تكفيه، في نفس الشهر اللي كان في سيولة تسفر الهوانم شرم الشيخ أسبوع عشان نفسيتهم كانت تعبانة من التكييف في الصيف!
طارق بربش، صباعه نزل بالراحة، والتوتر بدأ يظهر في رفة عينه ده.. ده كلام قديم.. إنتِ جاية تفتحي دفاترك القديمة دلوقتي ليه؟ وبعدين ده نصيبه وده عمره! إيه علاقة ده باللي بنعمله؟!
نور شدت الورق الأبيض من على السرير، ورمت أول دستة على ترابيزة الصالون، الكوبايات اتهزت وعلب الميكب وقعت على الأرض. علاقة ده؟ الدفاتر مش قديمة يا طارق.. الدفاتر طازة، ومختومة، ومطبوعة من البنك المركزي ومن الشؤون القانونية للشركة بتاعتي.
نور قعدت على السرير الحديد بكل برود، كإنها قاعدة على عرش، حطت رجل على رجل، ومسكت أول ورقة اقعدوا.. عشان القعدة شكلها هتطول، وفاتورة الحساب هتبقى حامية على قلبكم شوية.
نورهان بصت لأختها، وحاولت تتكلم بنبرة استعلاء بس صوتها كان بيتهز إنتِ هتعمليلنا فيها المحقق كونان؟ فلوس إيه وبتاع إيه؟ طارق هو اللي بيصرف على البيت ده من عرق جبينه، إنتِ أصلاً دخلك ده ملناش دعوة بيه، وأخونا مش مأثر معانا، ملكيش فيه أصلاً!
نور بصت لنورهان بابتسامة صغيرة، نظرة شفقة خلت البنت تبلع ريقها عرق جبينه؟ حلوة دي.. طارق شغال مهندس صيانة في شركة خاصة، مرتبه الصافي في الشهر تسعة آلاف جنيه. تسعة آلاف جنيه يا نورهان.
لفت نور وشها لحماتها ابنك مرتبه تسعة آلاف.. الشقة اللي إحنا قاعدين فيها إيجارها أربعة آلاف وخمسمية، وأقساط جمعيته تلات آلاف. يعني اللي بيتبقى من طارق ابن الأصول لجيبه هو شخصياً ألف وخمسمية جنيه، يدوب بيكفوا بنزينه وسجايره وكوبايتين الشاي على القهوة.
الست نادية بصت لابنها بصدمة طارق.. الكلام ده بجد؟ إنت مش قايلي إنك بقيت مدير قسم وبتاخد تلاتين ألف؟!
طارق عينيه كانت في الأرض، مش قادر يبص لأمه ولا قادر يبص لنور. الكدبة اللي كان باني عليها برستيجه قدام عيلته كانت بتنهار طوبة طوبة.
نور رفعت الورقة التانية التلاتين ألف اللي كانوا بيتصرفوا هنا كل شهر، ده كان مرتبي أنا. مرتبي كمديرة حسابات، وبونص الميزانيات، وفلوس الجمعيات اللي كنت بقبضها من شقايا وتمرمطتي في المترو والميكروباصات عشان سيادته ياخد العربية يوصلكم الكوافير والنوادي.
رمت الورقة في حجر فريدة كورس الأبراج وعلم الأرقام؟ اتدفع من حساب كارت المشتريات بتاعي.. عملية رقم ٤٩٢٠. رمت ورقة تانية في حجر نورهان بوت زارا اللي بسبعة آلاف؟ اتدفع من تحويل إنستاباي من تليفوني وأنا نايمة وهو عارف الباسورد.. عملية رقم ٨٨١٣. بصت للست نادية تلاجة شارب ال ١٨ قدم اللي في مطبخك؟ متقسطة على كارت البنك بتاعي باسم نور عزت، ولسه فاضل فيها تمن شهور بدفعهم من دمي!
الست نادية لسانها اتعقد، عنيها كانت بتتحرك بسرعة بين الأوراق اللي بقت مالية الصالة. الست اللي كانت داخلة عليها بصفة الحماة القوية اللي بتتحكم في كل فتفوتة، ظهرت فجأة زي ست عجوزة ومكسورة بتكتشف إن العز اللي هي عايشة فيه كان مبني على دم وسرقة.
طارق صرخ، صرخة راجل اتقفش متلبس وعريان قدام أهله بس بقى! كفاية سم بقى يا نور! ما البيت بيتك وإحنا واحد، إيه الفرق بين فلوسي وفلوسك؟! هو مش الجواز مشاركة؟! ولا إنتِ مكنتيش عايشة في بيتي وبتاكلي من أكلي؟!
نور قامت ووقفت قدامه، والمسافة بينهم مكنتش أكتر من شبر واحد. عينيها كانت حادة، مفهاش ذرة تردد الجواز مشاركة لما نكون بنبني بيت مع بعض.. مش لما أكون أنا الحمار اللي بيشد الساقية وإنت وأهلك قاعدين تاكلوا في التبن وتتمنظروا باللبس والضوافر! المشاركة لما تيل الفرامل اللي كان هيموتنا يتغير، مش لما تقولي معيش فلوس وأجليه، وفي نفس اليوم تدفع ألف ونص لضوافر إخواتك عشان ميتقصفوش في المسح!
طلعت نور مفاتيح العربية من جيبها، ورفعتها قدام عين طارق المفاتيح دي.. مبتخصكش بعد النهاردة. طارق حاول يمد إيده ياخدهم دي عربيتي! أنا اللي دافع أقساطها!
نور ضحكت بمرارة رخصتها باسمي، والعقد المسجل باسمي، وأبويا دافع تلات ترباع تمنها، وإنت بتوكيلك كنت بتسوقها. التوكيل اتلغى في الشهر العقاري النهاردة الصبح يا باشمهندس، وبلاغ اتعمل في المرور بسحب التوكيلات. لو حطيت مفتاحك في كونتاكت العربية دي، هتبات في القسم بتهمة خيانة أمانة وسرقة عربية مسجلة.
طارق حس إن الأرض بتتهز تحته، الرعب بدأ يتسلل لصوته، النرجسية اللي كانت بتغذيه بدأت تتكسر وتتحول لذل نور.. اهدي، مينفعش الكلام ده قدام أمي وإخواتي.. تعالي نروح بيتنا ونتكلم براحة، كل حاجة هتتحل.. متخربيش بيتك بإيدك عشان شوية مصاريف!
بيتي؟! نور بصت له باستهزاء بيتك ده أنا لسه مروحة منه الصبح بدري، لميت كل هدومي، كل دهبي اللي كنت فاكر إنك داريه في درج الدولاب عشان تسلفه لفريدة تجهز بيه، شيلت كل ورقة تخصني.. الشقة مفهاش غير عفشك المتهالك اللي إنت
جايبه في الصالة. وإيجار الشقة الجاي؟ معتش بتاعي. المالك عنده خبر إني سبت الشقة، وتقدر تتصرف معاه بقى بمرتبك التسعة آلاف، شوف هتدفع منه الإيجار ولا كورس الأرقام بتاع الهانم!
فريدة بدأت تعيط بصوت عالي، ونورهان كانت بترتعش ومش قادرة ترفع عينها في أمها اللي كانت قاعدة مبرقة وبتبص لطارق كإنها بتشوفه لأول مرة طارق.. الكلام ده صح؟ إنت كنت بتمد إيدك على فلوسها وبتكدب علينا وتقول ده شغلك الحر؟ إنت كنت بتسرقها عشان تظهر قدامنا كبير؟!
طارق قعد على الكنبة، حط راسه بين إيديه، وشه كان في الأرض ومش قادر يرد. كان عارف إن كل حرف قالته نور متوثق بكشوف حسابات رسمية وبتواريخ وأرقام تحويلات مبتكدبش.
نور مسكت شنطتها، وبصت للست نادية وقالت بنبرة قطعت كل خط للرجوع السرير ده مش جايباه عشان أغيظكم.. السرير ده سبتهولكم هنا عشان تفتكروا. تفتكروا إن اللي مات عليه كان راجل شريف مرضيش ياكل مليم من حد، ومات بكرامته. وتفتكروا إنكم لو عايزين هوانم ومظاهر، يبقى تصرفوا من جيبكم ومن شقاكم، مش على قفا واحدة بتصحى من الفجر وتنام بنص ضهر مكسور عشان تلاقي في الآخر اتنين هوانم بيقولولها خدي بالك من الوزرة ومتبوظيش ضوافرنا.
اتحركت ناحية الباب، فتحته، وقبل ما تخرج، لفت وشها لطارق ورقة طلاقي توصلي على عنوان الشركة خلال أسبوع بالكتير. مؤخري وقايمتي هيتحصلوا بالقانون وبأحكام نهائية، والمحامي بتاعي معاه توكيل يرفع قضية تبديد على كل مليم دخل الحساب المشترك وسحبته بإمضتك المزورة على الشيكات القديمة. قدامك أسبوع تلم فيه نفسك، يا إما هتشوفني في المحكمة، ومش هكون
ساعتها لابسة عباية مسح.. هكون لابسة بدلة المحاسب اللي بيعرف يجيب حق كل قرش ضاع منه.
قفلت الباب وراها برزعة خفيفة، بس صوتها كان كفيل ينهي مرحلة كاملة من الاستعباد والاستغفال.
نزلت نور على السلم، ريحة الهوا في الشارع كانت باردة ومنعشة. كانت الساعة داخلة على العصر، والشارع مليان ناس وحياة. ركبت عربيتها، حطت المفتاح في الكونتاكت، ولأول مرة من سبع سنين، الموتور دار وهي حاسة إن العربية دي بتاعتها، الشارع ده بتاعها، وطريقها الجاي ملكها لوحدها.
طلعت على محور صفط اللبن، داست فرامل في الزحمة، الفرامل مسكت بنعومة وثبات من غير ولا صوت صفارة، ومن غير ما قلبها يقع في رجليها.
طلعت موبايلها، لقيت شاشة الموبايل بتنور بمكالمات ورسايل من طارق نور ردي عليا، أمي جالها هبوط وضغطها عالي ومش عارفين نتصرف! نور متعمليش كده، إحنا ممكن نتفاهم والله، حقك عليا! نور إخواتي منهارين، والفلوس اللي في الحساب اتجمدت فعلاً، مش عارفين نطلب دكتور لأمي، ردي أرجوكي!
نور بصت للرسايل، وبعدها حطت الموبايل على وضع عدم الإزعاج.
سحبت نَفَس طويل وملت بيه صدرها، وعينيها راحت على الطريق الصحراوي المفتوح قدامها ناحية بيتها الجديد في الشروق. كان عندها بكره شغل مهم في الشركة، ميزانية سنة جديدة هتبدأها، بس المرة دي.. الميزانية كانت مظبوطة تماماً، ومفيهاش ولا مليم هيروح لناس متستاهلش حتى مسحة بلاط.