جوزي طيار
أول ما دخلت الشقة، ريحة التراب والذكريات لفت المكان. قفلت الباب ورايا بالمفتاح والترباس، وسندت ضهري عليه.. وهناك، في الضلمة، انهرت. قعدت على الأرض وبكيت بكا عمري ما بكيته قبل كده، بكا مكتوم وخوف وكسرة نفس. طلعت كل الوجع اللي حبسته في المطار وفي التاكسي، لحد ما حسيت إن حنجرتي اتجرحت وصوتي اختفى تماماً. ساعتين كاملين وأنا على الحال ده، لحد ما النور بدأ يشقشق من الشباك. قمت، غسلت وشي بمية ساقعة، وبصيت لنفسي في المراية.. عيني كانت حمرا ومنفوخة، بس النظرة اللي فيها كانت غريبة.. مكنش فيها عياط تاني. مفيش دموع هتنزل على واحد باع العمر كله في ليلة.
في اللحظة دي، سمعت صوت تكة مفتاح الباب.. الباب بيفتح! قلبي سقط في رجلي.. أنا قفلت بالترباس، ومفيش مخلوق في الدنيا معاه نسخة من المفتاح ده غيري أنا.. وطارق! الباب اتفتح ببطء، وظهر ظله في الصالة وهو شايل الشنطة بتاعته.. دخل ووشه باهت وتعبان، وأول ما عينه جت في عيني، ملامحه اتخطـ,ـفت واتبرجل.. ومطقش ولا كلمة.
وقفت مكاني، مربعة إيدي، وبصيت له بكل برود وقسوة وقُلت له: “خطوتك عزيزة يا عريس.. لحقت تسيب العروسة وتجيلي؟”طارق وقف في مكانه كأن الصاعقة ضـ,ـربته. الشنطة اتزحلقت من إيده ووقعت على الأرض بصوت رن في الصالة الفاضية. ملامحه اتغيرت مية درجة، وعينه بدأت تروح وتيجي في المكان كأنه بيحاول يستوعب هو في حلم ولا علم، وإيه اللي جابني هنا.. وبالفستان ده! بلع ريقه بصعوبة وقدم خطوة وهو بيترعش: “ليلى؟! إنتي.. إنتي إيه اللي جابك هنا؟ وعارفتي منين إني…”
سكت فجأة لما استوعب الكلمة اللي أنا لسه قايلاها.. “العريس”. ضحكت ضحكة عالية، رنت في حيطان الشقة الفاضية كأنها كرباج بيعلم على وشه: “مالك اتخَطفت كده ليه يا كابتن؟ مش إنت اللي لسه قايل من كام ساعة في ميكروفون الطيارة إنك بتمـ,ـوت في المفاجآت، وبتعشق المفاجآت الأكبر؟ أديك أهو أخدت أكبر مفاجأة في حياتك!”
بقى لونه أصفر زي الليمونة. لقا نفسه مكشوف، والكدبة اللي عاش مخبيها سنين اتهدت فوق دماغه في ثانية. حاول يقرب مني ويفرد إيده بكلامه الناعم اللي متعود عليه: “ليلى.. أرجوكي افهميني، الموضوع مش زي ما إنتي فاكرة خالص.. أنا هفهمك كل حاجة والله..” ”تفهمني إيه؟!”