بعد ماا تطلقتنا

الجزء الثاني
​قبلها بست شهور، مصطفى قال لي إن عنده مأمورية شغل في الإسكندرية من الجمعة للأحد. يوم السبت الصبح، جالي إشعار من نظام بوابات العمارة: عربيتة دخلت الساعة 2:13 بعد نص الليل، وخرجت تاني بعدها بـ ثمانية عشر دقيقة.
اتصلت بيه.
— وصلتوا إسكندرية؟
— أيوة، طالعين الكورس أهو.
— سافرتوا طيران؟
— لا، ساق بالحرية.
بعدها دخلت على حساب الكارت الذكي للرادار والبوابات اللي أنا كنت بأديره، عشان المصاريف بتتخصم من كارتنا المشترك.
ما كانش فيه ولا بوابة واحدة ناحية طريق إسكندرية.
بس كان فيه سحب بوابات ناحية العين السخنة.
طلعت على دولاب الخزين. كان ناقص بطانيتين تقال، واللافيظة الزرقاء، والسماعة الوايرلس.
لما رجع أسبوع يوم الأحد بالليل، حطيت قدامه على الترابيزة إشعارات الجراج، وسحب البوابات، وفاتورة شاليه جات بالخطأ على الإيميل المشترك.
— مأمورية لطيفة أوي — قلت له — كان فيها كمان كورس في السهرة وع العشاء؟
مصطفى حاول يحور ويكدب لمدة عشرين دقيقة.
حد ما قلت له إني هتصل بالموارد البشرية في الشركة وأسألهم عن المأمورية دي.
ساعتها انهار.
الست دي كانت شيرين، محللة جديدة في قطاعه. وما كانتش “مرة واحدة بس”. لقيت حجوزات قديمة، ومشتريات، ورسائل متزامنة على تابليت قديم كان مصطفى سايبه مربوط بحسابه.
ما صرختش.
بس قلت له:
— بكرة الصبح هنروح للمحامية بتاعتي.
مصطفى عيط، وطلب فرصة ثانية، وبعدها طلب طلب ثاني خالص: إني مأقولش حاجة لأمه ولا في الشركة.
— أمي مش هتستحمل. وعادل بيمر بأزمة ثانية. أرجوكي.
وافقت بشروط.
الشقة، اللي كنا بنسدد فيها إحنا الاثنين لسنين، بس أنا كنت دافعة النصيب الأكبر من أقساطها في آخر أربع سنين، بقت من نصيبي بموجب اتفاق الطلاق. مصطفى التزم بدين فاضل واداني مبلغ متفق عليه كتعويض. وكل ده اتقيد رسمياً في محكمة الأسرة.
في مقابل ده، أنا مكنتش هعمل شو أو فضيحة علنية عن الخيانة.
بس بعد الطلاق اكتشفت حاجة أوحش: حد حاول يقدم على طلب زيادة حد ائتماني باستخدام صورة قديمة من بطاقتي، ورقمي القومي، وشهادات المرتب اللي مصطفى كان لسه محتفظ بيها.
البنك رفض العملية ووقفها عشان طلب تأكيد إضافي.
أنا جمدت أي استعلامات، وغيرت كلمة السر للخدمات، وشلت كل الإيميلات.
مصطفى حلف إنه “كان مزنوق ومحتاس بس”.
ما بلغت عنه في ساعتها.
شلت الأدلة.
والصبح ده، وأنا قاعدة قدام أمه، عرفت إن الوقت جه عشان أبطل أحميه.
— تحب أحكي لها كمان عن السبب اللي خليتك تحاول تستخدم أوراقي عشانه بعد الطلاق؟ — سألته.
مصطفى صوته راحت منه.
الحجة كريمة بصت لابنها كأنها أول مرة تشوفه.
— عملت إيه؟
أنا طلعت ملف من الشنطة.
— حاول ياخد قرض ببياناتي وأحنا قانوناً مابقيناش زوجين.
عادل قام من على الكنبة.
— استني بس… ده موضوع تاني خالص.
— أكيد — رديت — لما كانت فلوس غيرك هي اللي هتدفع لك، كانت “الأهل بيشيلوا بعض”. دلوقت لما حسيت إن فيها مشكلة قانونية، بقى موضوع تاني!
الحجة كريمة بدأت تعيط.
— أنا كان نفسي بس ولادي يبقوا بخير.
— لا. حضرتك كنتِ عاوزاني أنا أدفع عشان ولادك ماريشيلوش عواقب قراراتهم.
في اللحظة دي، خبط ثلاث خبطات ناشفة على الباب.
مصطفى اتنطر من مكانه.
شفته وش أصفر كأنه ميت.
عادل فتح الباب.
واحدة داخلة بشطين من غير ما تستأذن.
كانت شيرين.
— مصطفى، أنا مش هعرف أرجع البيتي خلاص — قالت — جوزي اكتشف كل حاجة.
بعدين بصت لي.
ثبتت في مكانها.
— انتِ بتعملي إيه هنا؟
ربعت إيدي.
— كنت هسألك نفس السؤال.
شيرين لفت لمصطفى.
— انت مش قلت لي إنها مابتجيش لـ أهلك خلاص؟
— شيرين، مش وقت الكلام ده خالص.
— ولما إيه الوقت؟ جوزي طلب الطلاق. وجمد كروتي وطردني من الشقة. انت قلت لي إني هقعد معاك.
الحجة كريمة حست إنها هتقع.
— هي دي الست؟
محدش رد.
أنا ردت.
— أيوة. هي دي.
واللي حصل بعد كده خلى القرض أبو 280,000 جنيه يبان أصغر مشكلة عند العيلة دي.
​الجزء الأخير
​شيرين سابت الشنط في نص الصالة ومسكت في دراع مصطفى.
— انت وعدتني لما تتطلق هنعيش في شقتك!
بصيت لها.
— في شقتي أنا؟
حواجبها اتعقدت.
— مصطفى قال إنها ملكه.
طلعت من الشنطة نسخة بسيطة من عقد الاتفاق.
— الشقة ملكي أنا. مصطفى مأجر استوديو صغير جنب شغله، ولسه مديون لي ببقية المبلغ المتفق عليه في الطلاق.
شيرين سابت دراعه كأنها مسكت نار.
— والإستثمارات؟ والفتافيت والتحويشة اللي قلت إنك شايلها؟
مصطفى ما ردش.
عادل طلع منه ضحكة متوتر.
— طلع مفلس أكتر مني!
الحجة كريمة زقته عشان يسكت.
شيرين بدأت تصرخ إنها ضيعت بيتها وجوازتها عشان مصطفى.
— انتِ مضيعتيش بيتك — قلت لها — جوزك هو اللي قفش العلاقة.
لفت لي.
— انتِ اللي حكيتِ له كل حاجة!
— هو اللي اتصل بي لما لقي مصاريف وتواريخ مش فاهمها. أنا أكدت له اللي تخصني بس. مش أكثر.
مصطفى قرب مني خطوة.
— ياسمين، خلاص بقى!
— لا. لسه الفاضل الأهم.
حطيت على الترابيزة إخطار استخدام أوراقي الشخصية.
— أنا قدمت بلاغ رسمي عن محاولات استخدام بياناتي وأوراقي عشان القروض بعد الطلاق.
الحجة كريمة اتسمرت مكانها.
— مصطفى، قول لي إنك معملتش كده!
— كنت محتاج أغطي ديون عليا بس. وكنت ناوي أسدد قبل ما ياسمين تعرف.
— باسمي أنا؟ — سألته — وبعدها جاي تقعد هنا عشان تقنعني أطلع 280,000 جنيه عشان عادل؟
عادل رفع إيده فوق.
— أنا ماليش دعوة بالموضوع ده!
— انت كنت مستني إني أوقع وأدفع!
شيرين بصت للكتالوجات بتاعة مكتب الزواج وطلعت منها ضحكة مرار.
— حاجة تجنن! الكل هنا يدور على حد تاني يشيل عنه الفاتورة.
مصطفى بص لها بغضب.
— انتِ متتكلميش! انتِ غايبة بقالك أسبوع من الشغل ولجنة الموارد البشرية بتسأل عنك.
وش شيرين احمر.
— عشان جوزي كلم الشركة! ودلوقتي بيفحصوا مصاريف سفرياتنا ومأمورياتنا!
الصالة سكتت خالص.
أنا مكنتش اعرف المعلومة دي.
بس وش مصطفى أكد لي إنه كان عارف.
— كنتوا بتحسبوا الفسح الشخصية على حساب مصاريف الشغل؟ — سألتهم.
شيرين حطت إيدها على بقها بعد ما الفأس وقعت في الراس.
لميت أوراقي.
— تمام أوي. كده أنا مش محتاجة أزقكم حتى. انتوا بتغرقوا بنفسكم.
مصطفى حاول يوقفني.
— لو رفصلوني، مش هعرف أدفع لك باقي فلوسك!
— الموضوع ده تتكلم فيه مع المحامية بتاعتي.
مشيت ناحية الباب وشيرين بتزعق له وبتطلب إجابات، وعادل بيصوت إن جوازته باظت، والحجة كريمة بتعيط وتقول العيلة بتضيع.
قبل ما أخرج، لفت لهم.
— عيلتكم مش بتضيع بسببي. هي بس خسرت الشخص اللي كان دايماً بيلبس النتائج.
قفلت الباب ومشيت.
​يوم الإثنين اللي بعده، المحامية جات لها الإفادة من البنك: كان فيه محاولتين لطلب القرض باستخدام صور بطاقتي وبيان المرتب، وكان فيه إيميل من الإيميلات المكتوبة مربوط بمصطفى.
كملنا في الإجراءات القانونية.
وحسيت إن كل حاجة أخيرًا رجعت لنصابها.
​الشركة عند مصطفى فتحت تحقيق داخلي في مصاريف السفر. أنا سلمت فقط البيانات اللي طلبوها مني رسميًا وسِبتهم يعملوا شغلهم.
بعد أسبوعين، مصطفى اتصل بي.
— اتوقفت عن العمل.
— اتكلم مع محاميك.
— ياسمين، لو خسرت شغلي مش هعرف أدفع لك.
— أنا مكنتش بحسب الفسح الرومانسية كمصاريف شغل للشركة.
قفلت السكة.
​الحجة كريمة في الأول شتمتني، وبعدها بدأت تترجاني. قالت إن عربون مكتب الزواج بتاع عادل راح عليهم، وأن مصطفى مابقاش قادر يدفع إيجار الاستوديو.
ما رديتش. المحامية بلغتهم إن أي كلام يبقى عن طريق الطرق الرسمية.
عادل كمان جاله العين يبعت لي رسالة:
— بما إنك أخدتِ الشقة، سلفينا على الأقل 50,000 جنيه!
عملت له بلوك من غير ما أرد.
​النهاية جات واحدة واحدة.
الشركة أنهت خدمة مصطفى بعد ما ثبتت المخالفات المالية في الفواتير. وشيرين هي كمان اتسحبت منها أوراقها وخرجت في التحقيق. جوزها كمل في إجراءات الطلاق وهي اختفت من حياتي.
مصطفى كان لسه عليه التزام مالي في عقد الطلاق. ولما بطل يدفع بطلب منه، المحامية اتخذت إجراءات ضمان التنفيذ. وبعد شهور استلمت مستحقاتي بموجب تسوية رسمية.
وموضوع أوراقي كمان مشي في سكه. مصطفى أقر بمسؤوليته وأتلزم بتعويض الضرر، وتعهد بعدم استخدام بياناتي تاني وسلم أو دمر كل الصور اللي كانت معاه.
وده إداني راحة بال أكتر من أي فلوس.
اسمي رجع ملكي أنا وبس.
​شفت الحجة كريمة مرة كمان، بره كافيه قريب من المحكمة.
قربت مني من غير التكبر اللي كانت بتؤمرني بيه عشان أطلع القرض.
— ياسمين، ينفع نتكلم؟
— دقيقة واحدة.
— مصطفى عايش معايا. وعادل لسه من غير شغل ثابت. وأنا اضطريت أبيع حاجات من البيت. أنا عارفة إني قسيت عليكِ، بس الأم دايماً عاوزة تساعد ولادها.
— المساعدة عمرها ما كانت المشكلة. المشكلة كانت إنك تفرضي على ناس ثانية تدفع ثمن أخطائهم.
عينيها اتملت دموع.
— مش قادرة تسامحي؟
— التسامح مش معناه إني أفتح الباب تاني.
سلمت ومشيت.
​بعد بضعة شهور بعت الشقة. مش عشان يأست، بس عشان كنت عاوزة مرحلتي الجاية ما يكونش فيها أي أثر لمصطفى.
اشتريت بيت أصغر في أطراف الشيخ زايد، بحديقة صغيرة، وثلاث قصاري زرع كبار، وشجرة ليمون صغيرة.
أول سبت بعد ما نقلت، صحيت من غير اتصالات طارئة، ومن غير جمايل من العيلة، ومن غير ما حد يحسب أنا أقدر أطلع قرض بكام من مرتبي.
عملت قهوتي وخرجت الحديقة.
شجرة الليمون كان طالع فيها طرحين جديدين.
​لسنين كانوا بيكرروا على مسامعي إن الزوجة الأصيلة هي اللي بتساعد، وتفهم، وتستحمل، وتعدي. محدش قال لي إن الست كمان تقدر تقفل الباب قبل ما مشاكل غيرها تاكل حياتها.
مصطفى خسر بيته بسبب الكدب.
وشيرين اكتشفت إن نزوة مبنية على خيانة مش ممكن تبقى بيت بجد.
وعادل فضّل مستني حد يمول فكرته العظيمة الجاية.
والحجة كريمة كان لازم تفهم إن كلمة “أهل” لما تتقال على ديون، مابتخليهاش واجب على غيرهم.
الجزء الثالث والأخير
​مرت سنة كاملة على اليوم اللي نقلت فيه بيتي الجديد في الشيخ زايد.
​في يوم جمعة مشمس، وأنا قاعدة في الحديقة بشرب القهوة وبتابع شغلي من اللاب توب، تليفوني رن برقم غريب. ترددت ثواني قبل ما أرد.
​— ألو؟
— ياسمين… أنا مصطفى.
​صوته كان متغير تماماً، مكسور وفي نبرته هوان عمره ما كان فيه زمان.
​— أيوة يا مصطفى، خير؟
— أنا بكلمك مش عشان أطلب حاجة والله، ولا عشان أفتح اللي فات… أنا بكلمك عشان أعتذر.
​سكتت وما رديتش، فكمل وهو بيبتلع غصته:
​— الشركة بعد ما فصلتني، نزلت اشتغلت في شركة صغيرة باليومية وبمرتب أقل من نص مرتبي القديم. الاستوديو اللي كنت مأجره سيبته ورجعت قعدت مع أمي وعادل. عادل لسه زي ما هو، كل يوم بمشروع وكل يوم عاوز فلوس، وأمي صحتها تعبت جداً من كتر التفكير والديون اللي تراكمت علينا بعد ما المكتب نصب على عادل وأخد العربون وما جابلوش حد.
​تنفس ببطء وكمل:
​— أنا خسرت كل حاجة يا ياسمين… خسرت شغلي، وسمعتي، وشقتي، وفوق كل ده خسرت الإنسانة الوحيدة اللي كانت بجد صايانة بيتي وشايلاني. شيرين اختفت من حياتي أول ما عرفت إني مابقاش معايا جنيه، وجوزها رفع عليها قضية وسابها. أنا عرفت قيمة النعمة بعد ما راحت من إيدي.
​قلت له بهدوء وثبات:
​— الاعتذار مقبول يا مصطفى، بس الماضي خلاص انتهى. كل واحد فينا اختار طريقه، وأنا اخترت إن حياتي تبقى ملكي أنا وبس.
​— أنا عارف… عارف إني ماليش عين أطلب أي فرصة، بس كان لازم أقولك إنك كنتِ صح. لما قفلتي الباب في وشنا، انقذتي نفسك من غرق محتوم. ربنا يسعدك في حياتك الجاية.
​— وربنا يصلح حالك وحال أهلك يا مصطفى. مع السلامة.
​قفلت السكة. ما حسيتش بنصر ولا بشماتة، حسيت بس بسلام نفسي نقي.
​بصيت لشجرة الليمون اللي كبرت وطرحت ليمون أخضر صغير، وللورد الأبيض اللي ملا الحديقة. افتكرت الأيام اللي كنت ببات فيها مقهورة ومضغوطة عشان أحل مشاكل مش بتاعتي، وأدفع ثمن أخطاء غيري لمجرد إني “الزوجة الأصيلة”.
​الست مش مجبورة تشيل حمل يهد ظهرها عشان ترضي ناس شايفينها مجرد كارت ائتمان أو منقذ عند اللزوم. الثمن اللي دفعته من راحتي وأعصابي كان كبير، بس الحرية وراحة البال اللي أنا فيها النهاردة تستاهل كل خطوة خطيتها عشان أبعد.
​قفلت اللاب توب، أخدت نفس عميق من هواء الصبح، وابتسمت وأنا متأكدة إن صفحة الماضي اتقفلت للأبد، وأن القصة دي انتهت بأحسن طريقة ممكنة: إني رجعت لنفسي.
​تمت.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *