الليله اللي طردني فيها من البيت

نزل منها راجل في أوائل الستينات.

لابس بدلة رمادي،

وماسك ملف بني قديم.

 

اتجه ناحية محمود مباشرة.

— إنت محمود رجب؟

محمود وقف.

— أيوه… حضرتك مين؟

الراجل بص حواليه، وبعدين قعد جنبه.

— اسمي طارق الشامي.

— وأنا معرفكش.

طارق فتح الملف.

طلع منه صورة.

ومدها لمحمود.

محمود أول ما شافها…

وشه اتغير.

نفس الصورة اللي في شنطته.

نفس الطفل.

نفس الست.

نفس الابتسامة.

محمود مسك الصورة بإيده.

— إنت جبت الصورة دي منين؟

طارق ما ردش فورًا.

بص له وقال:

— لأن الست دي مش زي ما الناس قالتلك.

محمود حس إن نفسه اتقطع.

— أمال مين دي؟

طارق قرب منه وقال بصوت واطي:

— دي أمك.

محمود ضحك ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.

— أمي ماتت.

— لأ.

محمود سكت.

طارق كمل:

— أمك عايشة.

إيد محمود بدأت تترعش.

— مستحيل…

— وأبوك كمان عايش.

محمود رفع عينيه له.

طارق قال:

— الاتنين بقالهم 33 سنة بيدوروا عليك.

محمود فضل ساكت، مش قادر يستوعب.

— بس أنا… أنا اتقال لي إنهم ماتوا.

طارق فتح الملف على آخر صفحة.

وقال:

— عشان كده أنا جيتلك النهارده.

محمود بص للورقة.

وفي أول سطر…

اتكتب اسم واضح جدًا:

عيلة المنشاوي.

محمود رفع عينيه ببطء.

— إيه علاقة عيلة مراتي بموضوع أمي وأبويا؟

طارق ما ردش.

محمود شد الملف من إيده.

وبدأ يقلب الأوراق بسرعة.

وكانت كل ورقة بتكشف جزء جديد من حاجة اتخبّت عنه طول عمره.

وفي آخر صفحة…

كان فيه محضر قديم عن اختفاء طفل من قدام مستشفى من 33 سنة.

اسم الطفل كان محمود.

لكن الاسم اللي اتسجل في خانة «الأسرة المسؤولة عن استلام الطفل»…

كان:

المنشاوي.

محمود حس إن رجليه مش شايلاه.

بص لطارق وقال:

— يعني إيه الكلام ده؟

طارق أخد نفس عميق.

— يعني يا محمود… إنت مش ابن الناس اللي ربوك.

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— وإنت ما اتخطفتش لوحدك… حد من عيلة المنشاوي كان له دور في اختفائك.

محمود بص للملف، وبعدين لصورة أمه.

أنفاسي اتجمدت في زوري، وعيني فضلت معلقة على اسم «المنشاوي» المكتوب في محضر التسليم والاستلام المخفي بقاله 33 سنة!
الورق اللي في إيدي كان أثقل من الجبال. الصور والتواريخ وعقود البيع والتبني الوهمية، والأهم من ده كله… إيعاز خطي باسم حسن المنشاوي بنفسه

من سنة 1993، يوم ما كان لسه بيسعى يبني إمبراطوريته المالية على أشلاء وعائلات ثانية!
طارق الشامي قرب مني، مسك كتفي بثبات وقال بأسى:
— «أبوك يا محمود اسمه إبراهيم الجوهري… راجل كان شريك حسن المنشاوي في أول ورشة ومصنع لمعدات البناء. حسن خان الشراكة، سرق التصاميم، ولما أبوك اكتشف الملعوب وهدده بالشرطة والنيابة، حسن عمل حادثة افتعالية لأبوك وأمك، وفي وسط المعمعة والمستشفى… خطفوك وباعوك لأسرة بسيطة في الأرياف عشان يكسروا قلب أبوك ويخلوه يتنازل عن كل أصل ومستند يملكه مقابل إنه يلا قيك!»
الدموع نزلت من عيني سخنة ومكتومة… مش حزناً على طردي من الفيلا، بس على الـ 8 سنين اللي عشتهم خدام تحت جزمة حسن المنشاوي، متحمل إهاناته وبستسمح قسوته، وأنا فاكر إني راجل بسيط ومفيش في إيدي حاجة أقدمها لبنته!
بصيت لطارق الشامي وقلت له بصوت حاد ومجروح:
— «أمي وأبويا فين دلوقتي يا أستاذ طارق؟»
طارق طلع موبايله، وشغل فيديو مباشر…
على الشاشة ظهر راجل كبير في الستينات، ملامحه شبه ملامحي بالضبط، قاعد على كرسي متحرك بجانب ست شعرها أبيض، وباصين للشاشة بدموع تنزل زي المطر. الست مسكت الصورة القديمة في إيدها وقالت بصوت يقطع القلب:
— «محمود… يا ضنايا! 33 سنة وأنا بدعي ربنا ما يموتنيش إلا لما أضمك لصدري تاني!»
أنا سقطت على ركبي على الأرض… الصدمة والحب والوجع اتجمعوا في صدري بصرخة مكتومة. مسكت الموبايل وبكيت لأول مرة من سنين.
طارق الشامي قال بصرامة وعزم:
— «أبوك استرد صحته بعد سنين، وبنى شبكة أمان ومصانع في ألمانيا ودبي، ورجع مصر مخصوص السنتين اللي فاتوا وهو بيجمع الأدلة الدامغة عشان يدمر حسن المنشاوي بالقانون والشرع. والنهاردة، كارتك هو ضربة القاضية يا محمود!»
قمت وقفت… مسحت دموعي، وفي عيني نبتت نار ما تطفيهاش إلا العدالة العاجلة.
في نفس الليلة…
في فيلا حسن المنشاوي بالتجمع.
الاحتفال

كان لسه شغال، وحسن واقف بيضحك وبينخب مع رجال الأعمال والمستثمرين، وداليا مراتي قاعدة في الزاوية، عينها مجففة من البكاء ورأسها في الأرض.
فجأة…
أبواب الفيلا الخارجية اتفتحت بقوة!
دخلت قوة شرطة تنفيذية ومعاهم أفراد من الأموال العامة ورجال النيابة، ووراهم مباشرة… دخل إبراهيم الجوهري على كرسيه المتحرك، وعلى يمينه طارق الشامي، وعلى شماله… أنا!
الصالة كلها اتسكتت في ثانية.
حسن المنشاوي نزل الكاس من إيده بالراحة، ووشه اتخطف تماماً أول ما شاف إبراهيم الجوهري واقف قدامه بعد 33 سنة!
حسن بلع ريقه بارتباك ورعب:
— «إبراهيم الجوهري؟! أنت… أنت إيه اللي جابك هنا؟!»
داليا قامت اتنفضت من مكانها أول ما شافتني داخل بلبسي البسيط وشايل الشنطة القديمة، بس المرة دي ورايا قوة تحرك جبال!
أنا قربت من حسن المنشاوي، وبصيت في عينيه بثبات وصخر هز أركان الصالة:
— «جايين نرجع الحقوق لأصحابها يا حاج حسن… الحقوق اللي سرقتها من 33 سنة!»
حسن حاول يتظاهر بالقوة والصلابة وزعقت:
— «أنت اتجننت يا محمود؟! جايب شوية نصابين وجاي تتبلى عليا في بيتي؟! اطلع بره قبل ما أطلب لك الأمن!»
الضابط التقدم فوراً، وطلع أمر ضبط وإحضار رسمي صادرة من النائب العام:
— «الاستاذ حسن المنشاوي… حضرتك مطلوب فوراً بتهم اختطاف طفل قاصر، التزوير في محررات رسمية، النصب والاستيلاء على أصول تجارية، والشروع في القت..ل العمدي بناءً على البلاغ رقم 4022 والمستندات الموثقة من هيئة الرقابة الجنائية!»
داليا صرخت برعب وربطت إيدها على بؤها:
— «بابا؟! يعني إيه اختطاف وتزوير؟! محمود… إيه اللي بيحصل هنا؟!»
أنا التفت لداليا، وبصيت لها بكل قسوة وجفاف:
— «اللي بيحصل يا داليا… إن الراجل اللي كنتِ خايفة تعصي أمره، والراجل اللي طردني عشان مش من مستواكم… طلع هو اللي سرق أبويا وأمي، وهو اللي خطفني وأنا عندي 6 سنين وباعني للناس اللي ربوني

عشان يكسر أبويا وياخد شركته وسره!»
حسن المنشاوي سقط على الكرسي ومش قادر يتنفس، عروق وشّه بارزة من الصدمة والخزي قدام كل شركائه ورجال الأعمال اللي كانوا حاضريين الاحتفال!
إبراهيم الجوهري أبويا قرب بكرسيه، وبص لحسن وقال بصوت مليان شموخ وكبرياء:
— «افتكرت إنك دفنت السر يا حسن… وافتكرت إنك لما تطرد ابني الشريف من بيتك هتخلص منه؟ ربنا رد لك عملك في نفس الليلة وعلى يد الابن اللي حرمتني منه طوال 33 سنة!»
الشرطة الكلبشت إيدين حسن المنشاوي، وسحبوه بره الفيلا قدام الكاميرات والضيوف والجيران في فضيحة هزت سوق المقاولات كله.
داليا جِريت عليّ وهي بتبكي بدموع يأس وندم، ومسكت إيدي بتوسل:
— «محمود… أرجوك يا محمود! أنا ما كنتش اعرف أي حاجة عن القذارة دي! أنا بحبك والله، أرجوك بلاش تسيبني وتضيع بيتنا!»
سحبت إيدي من قبضة إيدها بمنتهى الهدوء والكبرياء:
— «البيت اللي اتبنى على سرقة ودموع مظلومين ما يلزمنيش يا داليا… والست اللي ما وقفتش مع جوزها وهو بيتطرد بشنطة هدومه، ما تلزمنيش في باقي عمري. ورقة طلاقك هتوصلك بكرة مع المحامي».
خلال أشهر قليلة…
المحكمة أخذت مجراها. أُدين حسن المنشاوي بتهم الاختطاف والتزوير والاستيلاء على الأموال، وصدر ضده حكم بالسجن المشدد 15 سنة، مع تحفظ النيابة العامة على كافة أمواله وشركاته المنهوبة وإعادتها بالكامل لحساب أبويا إبراهيم الجوهري.
عيلة المنشاوي إنهارت بالكامل، وداليا عاشت في حسرة وندم على خسارة الرجل الوحيد اللي صانها وأحبها بصدق.
أما أنا…
فرجعت لحضن أمي وأبويا.
استلمت إدارة مجموعة شركات «الجوهري للمقاولات والهندسة»، وبقيت أدير العمل بخبرتي الفنية وشرفي اللي حافظت عليه طول عمره.
كنت واقف في تراس شركتي الجديدة العالية في التجمع، بشرب القهوة ومستمتع بوجود أمي وأبويا جنبي، بضحكتهم اللي كانت غايبة بقالها 33 سنة.
ابتسمت من قلبي، وأخدت نفس عميق

ومرتاح… وعرفت إن الظلم مهما طال ليله، الحق بيبان في أشد اللحظات ضلمة، وأن الراجل الشريف اللي بيحفظ كرامته… ربنا بيرفعه ويعوضه بالعز والراحة طول العمر.
تمت 

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *