امي قالتلي
بصيت لطارق.. بصة خلته يسكت فوراً ويراجع نفسه:
ـ “مبروك الماجستير يا طارق. يا رب تكون خطوة كويسة لمستقبلك اللي ‘حيشكل حياتك بجد’، زي ما أمك قالت لي زمان. بس ما تتكلمش عن التعب.. إنت ما تعرفش يعني إيه تتساب لوحدك وإنت في أشد الحاجة للقمة حنية، وتضطر تبني نفسك من الزيرو علشان بس تثبت لنفسك إنك بني آدم ليك قيمة.”
أبويا حط إيده على جيبه، وكأنه بيدور على حاجة يقولها تنقذ وجهه قدام بعض الضباط اللي كانوا معديين وبيسلموا عليا:
ـ “خلاص يا سارة.. كبرتي وبقيتي سيادة العقيد، والناس كلها بتبص عليكِ.. تعالي معانا، حجزنا في مطعم كبير بمناسبة تخرج طارق، وتكون فرصة نحتفل بيكي إنتي كمان ونعوض اللي فات.”
ـ “نعوض؟”
رديت الكلمة وأنا ببص في عينين أبويا بثبات:
ـ “اللي بيروح يا حضرة الوالد ما بيتعوضش. الوقت اللي كنت محتاجة فيه كلمة تشجيع.. عدى. واليوم اللي كنت مستنية فيه حد يظبطلي ياقة البدلة.. فات. أنا النهارده مش محتاجة عزومة مطعم، ولا محتاجة شهادة إثبات من حد إن ليا قيمة. أنا قيمتي فرضتها على الكل بفضل ربنا، ثم بمجهودي.”
أمي بدأت تعيط بجد، وبصوت واطي ومكسور قالت:
ـ “يعني إيه يا سارة؟ هتمشي وتسيبينا كدة؟ مش هنسلم عليكِ؟ مش هنافخ بيكي قدام قرايبنا وعيلتنا؟”
بصيت لها ونظرة الحسرة في عينيا كانت خلاص اختفت، وحل محلها السلام الداخلي:
ـ “تتنافخي بيا؟ إنتي عايزة تاخدي ثمرة شجرة إنتي ما زرعتيهاش يا أمي.. شجرة سيبتيها تعافش في الصخر لوحدها ولما أثمرت جيتي تقطفي. للأسف.. أنا ضابط في الجيش المصري، اتعلمت إن اللي يسيب موقعه في المعركة.. ما يرجعش يطالب بنصيب في النصر.”
في اللحظة دي، قرب مني حارس الموكب ونادى بصوت عسكري منتظم:
ـ “سيادة العقيد سارة مراد.. سيارة الرئاسة في الانتظار لMove إلى مقر الاجتماع المغلق مع القيادة العامة.”
ضربت له تعظيم سلام خفيف، ورجعت بصيت لأهلي لأخر مرة.
ـ “عن إذنكم.. عندي شغل مهم بيبني مستقبل بلد، ومش فاضية للذكريات القديمة.”
لفيت ظهري، ومشيت بخطوة عسكرية ثابتة، صوت جزمتي يرن على الأرض الرخام بكل كبرياء.
وسيبتهم واقفين الثلاثة في القاعة الفاضية.. أبويا الموبايل في إيده مش عارف يصور مين، وطارق ماسك شهادته اللي ما حدش بقى باصص ليها، وأمي واقفة بالبليزر الأوف وايت، بتعيط على البنت اللي ضيعتها بإيدها لما افتكرت إن القيمة بتتقاس بالشهادات السهلة.. ومش بالقلوب اللي بتصنع تاريخ.