امي قالتلي

​نزلت من على المسرح بكل ثبات، وكل خطوة بعزفي ببيجاماتي العسكرية كانت بتهز القاعة. خلصت كلمتي، ومشيت ناحية كواليس كبار الزوار.

​كنت عارفة إنهم هيجوا.. كنت متأكده.

​وعلى باب الاستراحة المخصص للضباط، سمعت صوت الخطوات السريعة المتلخبطة.

​ـ “سارة! سارة استني عندك!”

​ده كان صوت أبويا.. الصوت اللي ما سمعتوش من سنين، الصوت اللي كان دايماً جاف ومستخسر فيا حتى السؤال.

​لتفت بالبطيء. كانوا واقفين التلاتة.

​أمي كانت بتهتز، عينيها فيها مزيج يرعب من الذهول، والكسفة، ورغبة مجنونة إنها تلمسني أو تقول أي حاجة ترجع بيها الموقف. وطارق واقف وراهم، الدبلومة بتاعة الماجستير في إيده، بس كأنها حتة ورق ملهاش أي قيمة قدام الرتبة والبدلة والتكريم اللي شافه بعينيه.

​أبويا قرب خطوة وهو بيحاول يبتسم ابتسامة صفرا متلخبطة:

ـ “سارة.. يا بنتي! معقولة؟ إيه المفاجأة العظيمة دي؟! إنتي.. إنتي بقيتي عقيد؟! ليه ما قولتيش؟ ليه ما عرفتيناش إنك هنا وفي نفس الحفلة؟!”

​بصيت له بكل هدوء، وحطيت إيديا الإثنين ورا ظهري في وقفة استعداد هادية:

ـ “أعرفكم ليه يا حضرة الوالد؟ مش التخرج العسكري ده حاجة تخزي؟ مش عيب لما تقولوا للناس إن بنتك في الجيش ومبعدة عن البيت؟”

​الكلمات نزلت عليهم زي المية المغلية. أمي اتطلعت فيا وشفت دموع محبوسة في عينيها، بس ماكانتش دموع حنية.. دي كانت دموع إحساس بالهزيمة.

​قربت أمي خطوتين، وإيدها المرتعشة اتمدت علشان تمسك إيدي:

ـ “سارة.. يا بنتي.. إنتي لسه فاكرة الكلام ده؟ ده كان زمان.. إحنا كنا خايفين عليكِ، كنا شايفين إن البنات مكانها مش في القسوة دي.. إحنا.. إحنا طول عمرنا فخورين بيكي!”

​ضحكت.. ضحكة صغيرة وصافية من غير أي غل، بس كانت أشد من أي شتيمة:

ـ “فخورين بيا؟ من إمتى يا أمي؟ من يوم ما بعتيلي مسج بتقوليلي ‘كل حاجة تمت بخير؟’ وكأنك بتسألي على شحنة بضاعة وصلت ولا اتأخرت؟ ولا من يوم ما سيبتوني في أرض الطابور لوحدي، وكل الأباء والأمهات بيحضنوا أولادهم وأنا واقفة في الشمس تدور عينيا على أي وش أعرفه وما ألاقيش؟”

​طارق تدخل بصوت متوتر، وهو بيحاول يهدي الجو:

ـ “يا سارة خلاص بقى.. اللي فات مات، وبعدين ماما وبابا تعبوا معانا كلنا، ومافيش داعي للأسلوب ده قدام الناس هنا..”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *