مين اللى طرده
كلهم اتجمعوا حوالين الموظف اللي لسه الشركة طردته.
وبدأوا يتعاملوا معاه باحترام شديد.
باتريشيا خرجت بسرعة.
وسمعت أرتورو بيقول:
— أستاذ نافارو، مجلس الإدارة مستعد يوافق على كل شروط حضرتك.
باتريشيا وقفت مكانها.
— أستاذ نافارو؟
أرتورو بص لها وقال:
— جابرييل نافارو.
وسكت لحظة.
— مؤسس شركة نافاتك والمساهم الأكبر فيها.
وش باتريشيا اتغير تمامًا.
هيكتور كان خرج وراهم.
أول ما سمع الكلام، وقف عاجز عن الكلام.
باتريشيا بصت للكرتونة الصغيرة في إيد جابرييل.
وبعدين بصت لهيكتور.
وسألته بهدوء:
— مين اللي طرد الراجل ده؟
ساد الصمتُ التام ساحةَ مدخل الشركة، واختفت حركة الشارع المزدحم في منطقة سانتا فيه كأن الزمان توقف كلياً. باتريشيا فوينتس، المديرة العامة لشركة «جروبو أوريزونتي»، كانت تقف وعيناها متسعتان بذهول، تنظر بحدة أحرقت وجه هيكتور سالديفار، الذي تحول لونه من الأصفر إلى الأبيض كأنه ج/ثة هامدة.
السؤال الذي طرحته باتريشيا رن في الهواء كأنه صاعقة:
«مين اللي طرد الراجل ده؟»
هيكتور حاول يتلعثم، بلع ريقه بصعوبة وشفتيه ترتجفان، خطى خطوة للوراء وهو يشير بأصابع مرتعشة نحو جابرييل:
— “مدام باتريشيا… أنا… أنا ما كنتش أعرف! ده… ده كان موظف عادي بيخرج كل يوم الساعة 5 بالضبط، وأمس ساب الشغل عشان بنته، وأنا افتكرت إنه غير جاد…”
أرتورو ميندوزا، رئيس شركة «نافاتك»، قطع كلامه بنبرة حادة وصارمة هزت المكان:
— “غير جاد؟! الأستاذ جابرييل نافارو هو العقليّة الهندسية والمالية اللي بنت واحدة من أكبر 5 شركات تكنولوجيا في المكسيك وفي أمريكا اللاتينية! الراجل اللي أنت بتقول عليه غير جاد، شركته المباشرة كانت جاية النهاردة تشتري وتستحوذ على شركتكم بالكامل!”
نزلت الكلمات على هيكتور وعلى باتريشيا كالصدمة الكهربائية!
باتريشيا التفتت فوراً نحو جابرييل، وعيناها مليئتان بالاحترام الممزوج بالخجل والإرباك الشديد. اقتربت منه بخطوات متزنة، ومدت يدها بثبات:
— “أستاذ نافارو… أنا بطلب من حضرتك الاعتذار باسم الشركة كلها عن التصرف الأحمق وغير المهني اللي حصل. ما كنتش أتخيل أبداً إن القامة المالية والهندسية الكبيرة دي موجودة بيننا في المكتب كأحد أفراد فريقنا.”
جابرييل بص لباتريشيا بهدوء شديد، ولم يمد يده فوراً. عدّل الكرتونة الصغيرة بين يديه، ونظر لصورة بنته لوسيا المتوفية أمها، ثم قال بنبرة واثقة ودافئة:
— “مدام باتريشيا… المشكلة مش في إني صاحب مليارات أو مؤسس شركة ‘نافاتك’… المشكلة إن الموظف هنا بيتقيّم بحجم الساعات اللي يقعدها على الكرسي، مش بحجم إنتاجيته وإنسانيته. أنا قضيت 5 سنين بينكم بمارس شغلي بأمانة ودقة، لكن مديرك الإقليمي كان شايف إن التزامي بأبوة طفلة يتيمة عندها 9 سنين هو ‘ضعف وفشل’ يستحق الطرد والتشهير قدام الزملاء.”
باتريشيا التفتت لهيكتور بنظرة قسوة وازدرار لم أره فيها من قبل.
قالت باتريشيا بصوت حازم وواضح سمعته كافة الكوادر والموظفين المتجمعين خلف الزجاج:
— “هيكتور سالديفار… الإدارة مش تسلط ولا قسوة على ظروف الناس. أنت مرفود من منصبك فوراً من اللحظة دي، ولن تحصل على أي مكافأة نهاية خدمة أو توصية إدارية من مجموعتنا!”
هيكتور سقطت منه الأوراق، وتراجع للوراء وهو يتصبب عرقاً، ولم يستطع أن ينطق بكلمة واحدة وهو يرى أوهام سلطته وغروره تنهار قدام الموظفين اللي كان بيمارس عليهم الترهيب كل يوم.
الصفقة الكبرى والعودة الحقيقية:
التفت أرتورو لم صديقه وشريكه جابرييل، ومسك كتفه بصلابة ومحبة:
— “جابرييل… لوسيا كبرت وبقت 9 سنين، وأنت أديت رسالتك ووعدك لإلينا الله يرحمها وزيادة. الصفقة الجديدة الخاصة بالاستحواذ والتوسع محتاجة عقلك وإدارتك من جديد… لوسيا محتاجة تشوف أبوها البطل، والشركة محتاجة المؤسس اللي بنى اسمها.”
جابرييل ابتسم ابتسامة صافية، ونظر نحو السماء الصافية.
شعر بروح زوجته الراحلة إلينا وكأنها تبتسم له من بين السحاب، وتخبره أن الوعد قد اكتمل، وأن بنتهما الصغيرة أصبحت تفهم القيمة الحقيقية للعمل والشرف والأبوة الصادقة.
جابرييل هز رأسه لأرتورو وقال بابتسامة واثقة:
— “اتفقنا يا أرتورو… بس بشرط واحد.”
أرتورو ابتسم:
— “أي شرط يا جابرييل!”
قال جابرييل بثبات وكرامة:
— “الساعة 5:30 أكون واقف قدام مدرسة الرقص عشان أستلم لوسيا وأخدها نأكل آيس كريم سوا… ده الموعد الإداري الوحيد اللي مش ممكن يتقبل أي تأخير أو تغيير في حياتي.”
ضحك أرتورو وحضنه بحرارة:
— “موافقين ومجلس الإدارة هو اللي هيشيل عنك الشنطة!”
النهاية:
في نفس اليوم، تمت إعادة هيكلة نظام العمل في شركة «جروبو أوريزونتي» بعد استحواذ مجموعة «نافاتك» عليها بالكامل، وتم وضع قوانين جديدة تدعم المرونة الأسرية وتحترم الظروف الإنسانية للموظفين.
جابرييل رجع لموقعه كرئيس تنفيذي وشريك رئيسي لمجموعة نافاتك، ورجع بيته الدافئ وهو شايل كرتونته الصغيرة.
في المساء، كانت لوسيا الصغيرة قاعدة على السفرة بتعمل واجباتها، لما جابرييل حط قدامها طبق الآيس كريم المفضّل عندها، وشالها بين ذراعيه وقبل رأسها بحنان.
قالت لوسيا بابتسامة وهي بتبص لصورة أمها:
— “بابا… أنت أحسن وأعظم أب في الدنيا كلها.”
ابتسم جابرييل من قلبه، ورأسه ظلت مرفوعة للسماء… اتعلم الجميع أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بالمال أو المظاهر أو القسوة، بل بالوفاء والإنسانية والنية الصافية والقدرة على صون الأمانة والكرامة للأبد.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية 🦋🦋🦋