بابا إذا سافرت

اقتاد الضباط الاثنين للتحقيق. خرج طارق من المكتب دون أن يشعر بجمال النصر، بل بحزن ثقيل وهو يتذكر يوم زفافه عندما حملت جنى الخواتم وسألته ببراءة إن كانوا سيصبحون عائلة حقيقية.

قاد طارق سيارته إلى منزل الجدة فاطمة. كانت جنى تجلس على الأرض ترسم بالألوان. وعندما رأته، ركضت نحوه:

– هل انتهى كل شيء؟

جثا طارق وأمسكها: “نعم يا حبيبتي.”

– هل ستعود سارة؟

– لن تعود للعيش معكِ أبدًا.

أسندت جنى رأسها على كتفه، وبعد لحظات سألت السؤال الذي كان يخشاه:

– لماذا أغلقت الباب ورحلت بعد أن أخبرتك عن القطرات؟

كان بإمكانه التحدث عن الخطة، والكاميرات، وضرورة جمع الأدلة، لكن بالنسبة لطفلة في السادسة، لا شيء يغير الحقيقة المرة: لقد طلبت المساعدة، ووالدها خرج بحقيبة سفره.

اعترف طارق وعيناه تغرورقان بالدموع: “أخطأت يا جنى.. كان عليّ أن أخرجكِ من هناك فوراً قبل أن أبحث عن أي دليل.”

– حتى لو أنكرت سارة كل شيء؟

– حتى لو أنكرت.

– حتى لو خبأت الزجاجات؟

– حتى لو خبأتها.

نظرت إليه جنى بجدية أكبر من سنها: “في المرة القادمة، تساعدني أنا أولاً.”

تجمعت الدموع في عيني طارق وقال: “في المرة القادمة، سأساعدكِ أنتِ أولاً.”

رفعت الخنصر: “وعد؟”

شبك خنصره بخنصرها: “وعد.”

خلال الأسابيع التالية، عاشت جنى مع جدتها. تحسنت الفحوصات الطبية سريعاً، لكن الخوف لم يختفِ بنفس السرعة. كان كوب العصير كفيلاً بإبكائها، وإذا وجدت باباً مغلقاً تسأل عن المفتاح، وإذا عدّلت الجدة مشروباً بعيداً عن أسرها، رفضت تذوقه.

في إحدى الأمسيات، أعدت الجدة كوباً من الشوكولاتة الساخنة. نظرت جنى إليها وسألت: “هل وضعتِ فيه شيئاً؟”

كادت الجدة تقول “لا تفكري في هذه الترهات”، لكنها تذكرت تعليمات الطبيبة النفسية، فقالت بحنان: “فقط حليب وشوكولاتة، وإن أردتِ، يمكننا إعداد كوب آخر معاً.”

اختارت جنى كوباً جديداً، وفتحت الجدة علبة الحليب أمام عينيها وتركتها تخلطه بنفسها.

تعلم طارق الدرس ذاته؛ ألا يجبرها على الثقة فوراً، وألا يحول كل خوف إلى استجواب.

لم تؤذِ سارة جسد جنى فقط، بل علمتها أن مشاعرها الخاصة غير قابلة للتصديق. عندما كانت تقول إن قلبها ينبض بسرعة، كانوا يصفونها بالمبالغة، وعندما كانت تخاف من الشرب كانوا يهددونها، وعندما تفاعل جسمها مع المادة، كانوا يصورونها ليثبتوا أنها غير متزنة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *