مكنتش أعرف إن الجواز مرادف أو مفهوم للعبودية غير لما اتجوزت وبقيت تحت رحمة إنسان ميعرفش من الأساس يعني أيه كلمة رحمة، أو يمكن الجواز أحسن من كدا بس أنا اللي كان نصيبي أكون مع الشخص ده، واللي كنت بتمنى أكون تحت إيد الشيطان ولا أكون تحت إيده هو.. كنت من بيئة بسيطة أوي وعايشة مع أمي في شقة إيجار، وكل اللي أمي كانت بتتمناه إنها تجوزني جوازة كويسة عشان تمو.ت وهي مرتاحة، بس للأسف الحلم متحققش لأني اتجوزت جوازة مش كويسة خالص.. اترشحت أنا وأكتر من بنت للشخص ده من خلال واحدة قريبتنا، وجه زارنا ولما عرف بظروفي قدر يمثل كويس أوي إنه هيحتويني ويكون الزوج والسند بعد الله، بس اللي فهمته بعد كدا إنه لقى الغاية بتاعته، واحدة مالهاش أصلًا حد ممكن يقوله أنت بتعمل أيه.. وفي فترة الخطوبة ماتت أمي، وهو اتمسك بيا أكتر، وكان في اعتقادي إن التمسك ده رحمة منه، بس طلع حاجة تانية خالص، ومن يوم الفرح تقريبًا بدأ الض.رب على أتفه الأسباب، كلامه يتسمع بالحرف ويتنفذ في نفس اللحظة، التلاجة ممنوع تتفتح غير بأوامر، الأكل والشرب بمواعيد وبكميات محددة.. كان أكتر إنسان بخيل ممكن حد يشوفه في حياته، وكان قاسي قسوة غير طبيعية، كل حاجة بياخدها بالشتيمة والقسوة، كل حاجة أيًا كانت هي أيه، وبعد جوازنا بشهر تقريبًا بقا بيشغلني لأنه على كلامه (جابني من الشوارع ولولاه كان زماني مرمية في الشارع بعد مو.ت أمي).. قدر يبني جوايا ألف حاجز وحاجز من الخوف، ومكنتش للأسف بقدر أعترض على نص كلمة معاه، وبقيت خايفة أكتر أسيبه لأنه فهمني إني لو سيبته همو.ت، وكان من شروطه القاسية ممنوع الخلفة نهائيًا، ولما حملت بالغلط وعرف ض.ربني لحد ما أجهضت والجنين مات وعشت فترة من أصعب فترات حياتي، وفي النهاية نزلت عشان أشتغل بلقمتي معاه في المحل.. كان عنده محل حلويات شرقية كبير وكان مشغل معاه اتنين عمال في محل محتاج يجي خمسة وأكتر، وأنا كنت بتعامل زيي زيهم بالظبط، اتشتم واتض.رب قدامهم، يجبرني على شيل الصواني التقيلة، وبعدها مُطالب مني ابتسم في وش الزبون وأكلمه بحنية عشان يشتري أكتر، واكتشفت إنها مش قسوة وبُخل بس، ده الموضوع داخل في دياثة، مكنش عنده مشكلة الزبون يعاكسني، أو يتكلم معايا كتير، المهم يشتري أكتر وأكتر.. وكانت أيام الجحيم بالنسبالي لما كنا بنقرب على موسم حلويات المولد، كان بيجيب كمية كبيرة وكان الشغل بيوصل لـ ١٨ ساعة في اليوم، مرمطة وتعب بدون أي مقابل، ما أنا باكل وبشرب زي ما بيقول.. وطبعًا كانت بتحصل مواقف كتير قدامي، طفل يقف بيشتهي حتة حلاوة، بس جوزي أول ما كان بيشوفه كان بيزعق فيه لدرجة إن العيال كانت بتهرب من الخوف، ومكنش عنده مانع يض.ربهم، يشتمهم، ويعمل مصيبة لو حد خد حتة حلاوة متساويش ٢ جنيه.. لحد ما جه اليوم اللي اتضغطت فيه في الشغل أوي، وكان فيه يجي ٣٠ واحد بيشتروا وخبطت في علبة حلاوة وقعتها، يومها ض.ربني قدام الناس وشتمني، كان الوضع صعب ومعقد، وكان مُطالب مني أشتغل ودموعي على خدي من الإحراج والقهر.. وبعد انتهاء اليوم هو مشي وأنا كنت بكمل ساعتين كمان، قعدت على الكرسي قدام المحل أفتكر مليون ذِكرى وذكرى، وبقيت ببكي بحر.قة شديدة مش عارفة وصلت للمرحلة دي أمتا، في اللحظة دي وأنا تايهة عن الدنيا لقيت إيد صغيرة بتطبطب عليا.. مسحت دموعي بسرعة وبصيت على صاحبة الإيد لقتها بنت صغيرة شكلها جميل أوي، عنيها واسعة ولونها أخضر وشعرها ناعم وماسكة عروسة نص حجمها تقريبًا، كنت حاسة إنها ملاك مش مُجرد طفلة وبس، لقتها بتتكلم وبتقولي: ـ مين مزعلك؟؟ ابتسمت أكتر ومسكتها من إيديها وبدون وعي خدت حتة ملبن من جمبي وأدتهالها، ابتسمت وخدتها مني، وفي لحظة اتحول المشهد، ظهر الشيطان، جوزي، خ.طف منها الملبن ودفع البنت لدرجة إنها وقعت وقام مزعق فيا وشاتمني، واتهمني إني بسرقه، حاولت أبرر إنها طفلة ودي مجرد حتة حلاوة، غضب أكتر لأني برد عليه وض.ربني في قلب الشارع تاني.. ورغم كل اللي حصل لمحت مشهد غريب أوي، لمحت البنت واقفة والعروسة جمبها وكأنها واقفة على رجليها زي البشر، وبعدها خدتها ومشيت، ورجعت بيتي في حالة نفسية موصلتلهاش في حياتي كلها، مش متحملة أشوف طفل بيتأذي قدامي وهو مالوش ذنب، ولا فاهمة الراجل ده معمول من أيه عشان يبقا بالجبروت ده كله، في النهاية نمت.. بس كان واضح إن الليلة دي مش هتعدي على خير، صحيت من النوم شوفت حاجة بتمشي على الحيطان والسقف وشعرها طويل وغريب، حسيت بخوف غير طبيعي وبصيت جمبي ملقتش جوزي، حتى وقت احتياجي له مش موجود، قمت بهدوء عشان ملفتش نظرها وحاولت أفتح النور، وفعلًا قدرت إني أفتح النور، وشوفت عروسة لعبة، عروسة بتمشي على السقف وكأن فيها الروح.. ومسافة ما النور اتفتح وقعت في الأرض وسكنت تمامًا، وقتها مكنتش قادرة أقف على رجلي من الأساس، قربت من العروسة واحدة واحدة لقتها ساكنة خالص مبتتحركش، بس مكنتش قادرة ألمسها، قعدت على السرير أراقبها بخوف وأنا مستنية جوزي يظهر أو يمكن في الحمام ويدخل يشيلها، بس اكتشفت إنه نايم في أوضة تانية، ولو صحيته هيمو.تني من الض.رب، طيب هشيل العروسة دي ازاي.. دخلت أوضتي تاني بعد ما كنت خرجت منها وأول ما خطيت برجلي فيها النور كله قطع، وقفت مرعوبة مكاني وحاسة إن قلبي هيقف، لحظات وظهرت البنت، معرفش ظهرت منين، بس كنت عارفة إنها اللي أدتها الملبن انهاردة، قربت من العروسة وشالتها، ولقتها بتقرب مني.. فضل جسمي يتنفض لقتها بتطبط عليا وبتقولي: ـ متخافيش أنا مش هعملك حاجة.. بلعت ريقي بالعافية وسألتها: ـ أنتي مين؟! لقتها قربت العروسة مني ومن خلال الضوء اللي جاي من الشباك شوفتها وقالت: ـ مبتشبهيش على العروسة دي؟؟ بصتلها كتير لحد ما عنيا كانت هتخرج من مكانها، أنا فعلًا بشبه على العروسة دي، سألتها برعب: ـ تقصدي ااااا ـ أيوة يا ماما أنا بنتك، ودي العروسة اللي اشترتيها بعد ما دفنتيني في القبر بتاعي وسبتيها معايا.. ولقتها بتكمل وبتقول: ـ واتطمني كل حاجة هتنتهي خلاص.. ومشيت، مشيت وأنا مذهولة، لما روحت المستشفى وسقطت خرجت مني حتة لحمة صغيرة خالص، اتحايلت على الدكتور يديهاني أدفنها بنفسي، وروحت المقابر دفنتها واشتريت عروسة، وقفت يومها اتكلم معاها، وقولتلها إن دي هديتي ليكي وبتمنى تكوني في مكان أحسن.. انهاردة فات ٥ سنين على الموقف ده بالظبط، فضلت ليلتها طول الليل صاحية وبترعش، وتاني يوم كانت الكارثة في انتظارنا، المحل كله اتفحم، بكل اللي فيه، وبالخزنة اللي كانت فيها ثروة جوزي كلها، الراجل انتهى في ليلة واحدة، مقدرش يتحمل المشهد وجتله سكتة قلبية ومات، والتأمين جبلي مبلغ صغير كتعويض والشقة فضلت معايا، محدش من أهله طلعني منها، وقدرت أشوف الدنيا مرة تانية والبنت دي مظهرتش خالص تاني.. مش قادرة أفسر ده أيه، بس القسوة والظلم بيخلوا حاجات أحنا منعرفهاش تتدخل عشان ترفع عننا الأذى ده، وكله بيكون بأمر الله، ربنا خلصني من زوج قاسي وبخيل ونجاني بطريقة أغرب من الخيال، بس عاهدت نفسي أنفق طول ما في إيدي خير، وأرحم اللي أضعف مني، عشان يوم ما أروح لربنا يرحمني وأنا ضعيفة والنار يومها أقوى مني.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي