بعد ما خلفت اربع بنات
الجزء الثاني السر اللي شافه أحمد في وش ابنه
فضلت باصة لأحمد وأنا مش فاهمة هو بيتكلم عن إيه.
الطفل كان نايم بهدوء في إيده، ووشه صغير جدًا، ملامحه لسه مش واضحة أصلًا.
قلت له بصوت متعب
أحمد، إنت خوفتني… مالك؟
ما ردش.
قرب الطفل من النور، وفضل يتأمل وشه كأنه بيحاول يطابق صورة في دماغه مع الحقيقة اللي قدامه.
الدكتور لاحظ توتره، فقال
فيه حاجة يا أستاذ أحمد؟
أحمد هز راسه بسرعة.
لا… لا، مفيش.
لكن صوته كان مهزوز.
مديت إيدي ناحية الطفل وقلت
هات ابني.
ناولني الطفل، وأنا ضميته لصدري.
أول ما حطيته على صدري، حسيت بشعور غريب جدًا.
رغم تعبي، ورغم الألم، ورغم كل الخوف اللي كان مالي قلبي، أول ما سمعت نفسه الهادئ حسيت إني أخيرًا وصلت لنهاية كل التعب.
ابني.
الولد اللي أحمد قضى سنين بيحلم بيه.
بصيت له وابتسمت.
لكن أحمد كان لسه واقف مكانه.
قلت له
تعالى بص عليه.
قرب مني ببطء.
بص على الطفل مرة تانية.
وبعدين قال
أنا لازم أكلمك لوحدنا.
استغربت.
دلوقتي؟
قال
آه… دلوقتي.
الدكتور بص له باستغراب، لكن أحمد طلب منه يسيبنا دقايق.
بعد ما خرج الدكتور والممرضة، قفل أحمد الباب.
أنا بدأت أقلق أكتر.
قلت
أحمد، قول اللي عندك.
قعد على الكرسي اللي جنبي.
مرر إيده على وشه، وقال
إنتِ شوفتي العلامة اللي على كتفه؟
بصيت للطفل.
علامة إيه؟
قال
الشامة.
قلبت الطفل بحذر، وبصيت على كتفه.
وكان فعلًا فيه شامة صغيرة جدًا، لونها بني فاتح.
قلت
آه، شامة صغيرة… وبعدين؟
أحمد بلع ريقه.
وقال
أنا شوفت نفس الشامة قبل كده.
ضحكت بتوتر.
طبيعي يا أحمد، الشامات بتحصل.
هز رأسه.
مش قصدي كده.
سكت شوية، وبعدين قال
أنا شوفتها في صورة.
سألته
صورة مين؟
ما ردش.
فضل ساكت لحد ما حسيت إن قلبي بدأ يدق أسرع.
أحمد… صورة مين؟
بص لي مباشرة وقال
صورة أبويا.
اتجمدت مكاني.
والد أحمد كان متوفي من أكتر من عشر سنين.
كنت عارفة إن علاقتهم كانت معقدة جدًا.
أحمد نادرًا ما كان بيتكلم عنه.
ولما كنت أسأله عن طفولته، كان دائمًا بيغير الموضوع.
قلت
إيه علاقة أبوك بالموضوع؟
قال
كان عنده نفس الشامة.
بصيت له بعدم تصديق.
وأنا إيه المطلوب مني أفهمه؟
قرب مني وقال
الشامة دي مش المشكلة.
سألته
أمال إيه؟
أحمد أخرج موبايله من جيبه.
فتح صورة قديمة جدًا.
الصورة كانت لرجل في الخمسينات، واقف قدام بيت قديم، وفي إيده طفل صغير.
بصيت للصورة.
قلت
ده أبوك.
قال
آه.
وبعدين كبّر الصورة.
كان الطفل اللي في الصورة صغير جدًا.
لكنه كان لابس هدوم بيضا، وكتفه ظاهر.
وكانت فيه نفس الشامة.
بصيت للصورة، وبعدين لابني.
وبعدين لأحمد.
قلت
طيب؟
قال
الصورة دي اتصورت قبل ما أنا أتولد.
سكت.
وبعدين؟
قال
الطفل ده مش أنا.
بدأت أحس بقشعريرة.
يعني إيه مش إنت؟
أحمد أخد نفس عميق.
وقال
أنا طول عمري فاكر إن الصورة دي ليا.
سألته
وأبوياك كان بيقول إيه؟
قال
ولا حاجة.
يعني إيه؟
كان دايمًا يرفض يتكلم عنها.
بدأت أفهم إن الموضوع أكبر مما كنت متخيلة.
قلت
طب مين الطفل؟
أحمد بص لي، وقال
مش عارف.
ثم سكت.
قلت بعصبية
يعني إنت شايف شامة على ابننا شبه شامة طفل في صورة قديمة، وقررت تقلقني وأنا لسه والدة؟
أنا ما قلتش إن ابننا مش ابني.
سكتُّ.
الكلمة دي بالذات وقعت عليّ كأنها صفعة.
قلت
إنت قلت إيه؟
أحمد انتبه لنفسه.
مريم، أنا ما أقصدش…
قاطعته
لأ. إنت قلتها.
بدأت دموعي تنزل.
إنت شكيت فيا؟
قال بسرعة
لا.
أمال ليه بتتكلم بالطريقة دي؟
لأن في حاجة أنا اكتشفتها من فترة.
سألته
إيه؟
فتح موبايله، ووراني رسالة قديمة.
كانت من رقم مجهول.
الرسالة كانت قصيرة
لو جالك ولد، ما تعتبرش إن الحكاية انتهت. دور في ماضي أبوك قبل ما تثق في أي حد.
بصيت له.
إنت وصلك الكلام ده إمتى؟
قال
من حوالي ست شهور.
وما قلتليش؟
كنت فاكر إنها خدعة.
طب ليه افتكرتها دلوقتي؟
بص ناحية الطفل.
عشان الشامة.
أنا كنت خلاص على آخري.
قلت
مين بعت الرسالة؟
قال
ما أعرفش.
حاولت تعرف؟
آه.
ووصلت لإيه؟
هز رأسه.
ولا حاجة.
فضلنا ساكتين.
بعد شوية، دخلت الممرضة تطمن عليّ.
وأحمد خرج.
لكن قبل ما يخرج، بص لابنه مرة أخيرة.
كانت نظرة مختلفة.
مش نظرة شك.
ولا فرحة.
كانت نظرة شخص بدأ يخاف من ماضيه.
بعد ساعات، خرجنا من المستشفى.
أحمد كان ساكت طول الطريق.
أنا كنت حاضنة ابني في الكرسي الخلفي، وبناتي الأربع كانوا مستنيينا في البيت مع جدتهم.
أول ما دخلنا، البنات جريوا علينا.
ماما!
بابا!
فين أخونا؟
ابتسمت رغم كل شيء.
وفتحت البطانية.
الأربع بنات اتجمعوا حوالين الطفل.
واحدة منهم قالت
هو صغير أوي!
والتانية قالت
أنا اللي هختار له الاسم!
ضحكوا.
للحظة، نسيت كل حاجة.
لكن أحمد ما ضحكش.
كان واقف بعيد.
وأول ما حماتي دخلت وشافت الطفل…
وشها اتغير.
تغير لحظة واحدة.
لكن أنا لاحظتها.
بصت للطفل.
وبعدين بصت لأحمد.
ثم قالت
هو اتولد؟
رد أحمد
آه.
قربت منه.
بصت على كتفه.
وفجأة رجعت خطوة لورا.
قالت
يا نهار أبيض…
أحمد أمسك دراعها.
ماما.
بصت له.
إنت شفتها؟
قال
آه.
حماتي سكتت.
أنا قربت منهم.
شفتوا إيه؟
حماتي بصت لي.
وبعدين قالت
مفيش حاجة.
قلت
لأ، فيه.
أحمد قال
ماما، لازم تحكي.
وشها اصفر.
وقالت
مش هنا.
دخلوا هما الاتنين أوضة جانبية.
أنا فضلت واقفة مكاني.
وبعد دقائق، سمعت صوت حماتي وهي بتعيط.
قربت من الباب.
لكن قبل ما ألمسه، سمعت أحمد بيقول
يعني الطفل اللي في الصورة كان مين؟
حماتي ردت بصوت متقطع
أنا ما كنتش أعرف إنه هيرجع يظهر تاني.
اتجمدت.
أحمد قال
مين هو؟
حماتي قالت
أخوك.
وقعت الجملة عليّ كأن البيت كله اهتز.
أخوه؟
أحمد عنده أخ؟
أنا كنت متجوزة أحمد بقالنا ثماني سنين…
وعمري ما سمعت عن أخ.
فتحت الباب فجأة.
الاتنين بصوا لي.
قلت
إنت عندك أخ؟
حماتي بدأت تعيط.
وأحمد ما قدرش يبص في عيني.
قلت
أحمد… إنت عندك أخ؟
قال بصوت منخفض
كان عندي.
كان؟
حماتي غطت وشها بإيديها.
وأحمد قال
اسمه ياسين.
سألته
فينه؟
سكت.
فين أخوك؟
قال
اختفى.
الجزء الثالث الحقيقة اللي قلبت حياتنا
ما كنتش قادرة أستوعب أي حاجة.
أخوه اختفى؟
إزاي؟
وليه؟
وليه أنا ما أعرفش عنه حاجة؟
بصيت لأحمد وقلت
إنت كنت مخبي عليا إن عندك أخ؟
قال
أنا نفسي ما كنتش عارف كل الحقيقة.
صرخت
إنت كنت عارف إن عندك أخ!
قال
كنت فاكر إنه مات.
سكتُّ.
حماتي بدأت تبكي.
وقالت
ياسين كان أكبر من أحمد بثلاث سنين.
بصيت لها.
يعني إيه كان؟
قالت
كان عنده خمس سنين لما اختفى.
اختفى إزاي؟
حماتي بصت لأحمد.
وبعدين قالت
أبوك هو اللي قال لنا إنه مات.
سألتها
فين جثته؟
سكتت.
فين شهادة الوفاة؟
ما ردتش.
أحمد قال
مافيش.
أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس.
يعني أبوك قال إنه مات، من غير جثة، ومن غير شهادة وفاة؟
حماتي هزت رأسها.
آه.
قلت
وصدقتوه؟
بدأت تعيط.
كنت صغيرة، وخفت من أبو أحمد.
أحمد قاطعها
ماما، ليه عمرك ما قلتيلي؟
قالت
لأن أبوك هددني.
هددك بإيه؟
قال لو فتحت الموضوع، هيحرمني منك.
أحمد سكت.
أنا كنت حاسة إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
قلت
طيب والصورة؟
حماتي قالت
دي صورة ياسين.
أحمد قال
وليه كنت فاكر إنها صورتي؟
حماتي ردت
لأن أبوك كان بيقول للناس إنها صورتك.
بدأت القطع كلها تركب.
الشامة.
الصورة.
الرسالة.
اختفاء الأخ.
والأهم…
إصرار أحمد الغريب على إن لازم يكون عنده ولد.
سألته
أحمد… إنت ليه طول عمرك مصمم يكون عندك ولد؟
بص لي.
عشان أبويا.
يعني إيه؟
قال
أبويا كان دايمًا يقول إن اسم العيلة لازم يفضل موجود.
سكت.
وكان بيقول لي إن الراجل الحقيقي لازم يكون له ابن.
بدأت أفهم.
هو ما كانش بس عايز ولد.
هو كان بيحاول يحقق حاجة زرعها أبوه في دماغه من وهو صغير.
لكن السؤال الأكبر كان
ليه؟
في اللحظة دي، رن موبايل أحمد.
رقم مجهول.
بص للشاشة.
ما ردش.
الرنة انتهت.
وبعد ثواني، وصلت رسالة.
فتحها.
وبص لي.
قلت
إيه؟
وراني الشاشة.
كانت الرسالة
لو عايز تعرف الحقيقة كاملة عن ياسين، تعالى لوحدك على البيت القديم اللي أبوك كان بيستخدمه. وما تجيبش مراتك.
بصيت لأحمد.
قلت
هتروح؟
قال
آه.
وأنا هاجي معاك.
الرسالة قالت لوحدي.
قلت
أنا مش هسيبك تروح لوحدك.
حاول يعترض.
لكنني قلت
أنا بقيت جزء من الموضوع غصب عني.
وافق.
لكننا ما قلناش لحد.
في اليوم التالي، خرجنا سوا.
وصلنا للبيت القديم.
كان بيت مهجور على أطراف البلد.
الباب كان مفتوح.
دخلنا.
البيت كان مليان تراب، والأثاث مغطى بقماش قديم.
سمعنا صوت حركة من الدور التاني.
أحمد شدني وراه.
طلعنا السلم.
وصلنا لغرفة صغيرة.
الباب كان مقفول.
أحمد فتحه.
وفي الداخل، كان فيه رجل عجوز قاعد على كرسي.
أول ما شاف أحمد، وقف.
وقال
أنت ابن محمود.
أحمد قال
إنت مين؟
الرجل رد
أنا كنت أعرف أبوك أكتر مما تتخيل.
سأل أحمد
إنت اللي بعت الرسائل؟
الرجل هز رأسه.
آه.
قلت
فين ياسين؟
الرجل بص لي.
ثم قال
قبل ما أقول لكم، لازم تعرفوا إن ياسين ما ماتش.
أحمد اتجمد.
يعني عايش؟
آه.
قلت
فينه؟
الرجل سكت.
ثم قال
كان عايش طول السنين دي.
أحمد