بعد ما خلفت اربع بنات
لإثبات قيمة أبوه.
توقف أحمد عن القراءة.
عينيه امتلأت بالدموع.
وأكمل
ما تكررشي غلطي. لو ربنا رزقك ببنات، حبهم. ولو رزقك بولد، ما تحمّلوش حلم مش حلمه. أولادك مش امتداد لاسمك، دول بشر لهم حياتهم.
أحمد قفل الرسالة.
وظل ساكتًا وقتًا طويلًا.
ثم قال
أنا فعلًا كنت بكرر نفس غلطه.
بعدها رجعنا البيت.
دخل أحمد إلى غرفة البنات.
كانوا قاعدين حوالين أخوهم الصغير.
واحدة منهم كانت بتقول
بابا، هو هيطلع شبهك؟
ابتسم أحمد.
وقعد بينهم.
حمل ابنه، ثم وضعه بين أخواته.
وبص لهم كلهم.
ثم قال
أنا آسف.
البنات ضحكوا لأنهم ما فهموش هو بيعتذر عن إيه.
أما أنا، فكنت واقفة عند الباب.
بص لي أحمد.
وقال
أنا كنت فاكر إن عيلتنا مش هتكتمل غير لما ييجي ولد.
سكت لحظة.
لكن كنت غلطان.
قربت منه.
قال
أنا كان عندي عيلة كاملة من زمان. أنا بس كنت مش شايفها.
دموعي نزلت.
لأول مرة منذ سنوات، حسيت إن الضغط اللي كان على بيتنا اختفى.
لم يعد هناك انتظار لطفل ذكر.
ولا نظرات خيبة أمل.
ولا خوف من الحمل القادم.
ولا سؤال إمتى هييجي الولد؟
لأن الولد جاء بالفعل.
لكن أهم شيء لم يكن أنه ولد.
الأهم أن ولادته جعلت أحمد يفهم شيئًا كان يجب أن يفهمه من أول يوم
أن قيمة الطفل لا تتحدد بنوعه.
وبعد أسابيع، زارنا ياسين.
لما دخل البيت، البنات جريوا عليه من غير ما يعرفوا مين هو.
واحدة منهم سألته
إنت صاحب بابا؟
ضحك وقال
أنا أخو بابا.
البنت بصت لأحمد بدهشة.
بابا عنده أخ؟
أحمد ضحك.
وقال
آه… وكان المفروض تعرفوا من زمان.
ياسين قعد معاهم.
وأنا كنت واقفة بعيد.
شفت أحمد وهو بيتفرج عليهم.
كانت عينيه مليانة امتنان.
بعدها قرب مني.
وقال
مريم.
نعم؟
فاكرة أول يوم شفت فيه ابني؟
ابتسمت بحذر.
فاكرة.
قال
أنا وقتها خوفتك.
ضحكت رغم نفسي.
إنت ما خوفتنيش بس، إنت كنت هتوقف قلبي.
ضحك.
ثم قال
لما شفته، أنا افتكرت إن فيه حاجة غلط.
وعشان الشامة؟
آه.
وبعدين؟
قال
بعد ما عرفت الحقيقة، فهمت إن اللي كان غلط مش ابني.
سكت.
اللي كان غلط هو كل الأفكار اللي اتزرعت في دماغي من وأنا صغير.
ثم مسك إيدي.
أنا مش عايز أولادي يكبروا وهم فاكرين إن لازم يثبتوا حاجة لحد.
بصيت للبنات.
ثم لابننا.
وسألته
وهتعمل إيه مع ياسين؟
ابتسم.
هبدأ أصلح اللي أقدر عليه.
وفعلًا، بدأ أحمد يعيد بناء علاقته بأخيه.
لم تكن الأمور مثالية في البداية.
كانت هناك سنوات طويلة ضاعت.
وكانت هناك أسئلة كثيرة بلا إجابات.
وكان ياسين يحمل ألمًا لا يمكن أن يختفي في يوم وليلة.
لكن الاثنين اتفقا على شيء واحد
أنهم لن يسمحوا لماضي والدهم بأن يتحول إلى مستقبلهم.
أما حماتي، فطلبت من ياسين السماح.
وفي البداية، لم يستطع.
لكنه مع الوقت بدأ يزورها.
لم تصبح العلاقة طبيعية تمامًا، لكنها أصبحت صادقة.
وهذا كان كافيًا.
أما أنا، فبعد شهور من الولادة، كنت أخيرًا أشعر أن جسمي وعقلي بدأوا يتعافوا.
وفي إحدى الليالي، كنت قاعدة في الصالة.
بناتي الأربع كانوا نايمين.
وابني كان نايم في حضني.
أحمد دخل وقعد جنبي.
بص لابنه.
ثم قال
عارفة إيه أغرب حاجة؟
إيه؟
أنا كنت مستعد أعمل أي حاجة عشان أخلف ولد.
ضحكت.
عارفة.
قال
ولما جه، اكتشفت إن أكتر حاجة كنت محتاجها مش ولد.
سألته
أمال إيه؟
بص لي.
وقال
كنت محتاج أبطل أجري ورا حلم مش بتاعي.
سكتنا.
ثم قبل رأس ابنه.
وبص لبناته النائمات.
وقال
أنا عندي خمس أولاد.
ضحكت.
خمس؟
قال
آه.
وأشار إلى نفسه.
أنا كمان واحد منهم… ولسه بتعلم.
ضحكت وأنا أمسح دموعي.
وفي اللحظة دي، فهمت أخيرًا الجملة اللي قالها يوم ولادة ابننا.
هو لم يكن خائفًا من الطفل.
كان خائفًا من نفسه.
كان يرى في وجه ابنه ماضي عائلته كله، ويرى فيه المرآة التي أجبرته على مواجهة الحقيقة.
والولد الذي ظن أحمد يومًا أنه سيكون وريث اسمه…
كان السبب في أن أحمد يتعلم أخيرًا أن أولاده ليسوا ورثة أحلامه.
هم فقط أولاده.
وهذا كان كافيًا.
أما ياسين، فلم يعد الرجل المفقود.
وأحمد لم يعد الابن الذي يعيش لإرضاء والده.
وأنا لم أعد المرأة التي تنتظر أن يقرر زوجها متى تكون عائلتنا كاملة.
لأن الحقيقة كانت أبسط بكثير
عيلتنا كانت كاملة من أول يوم… يوم ما اتولد أول طفل، بنت أو ولد، واتحب من غير شروط.