قصه شعور زي الرجل
إيه.
قلبي اتخلع من مكانه.
حط كف إيده التقيل على كتفي، وضغط عليه ضغطة خفيفة مش للتخويف، لكن عشان يفهمني إن المفر انتهى.
تعال معايا المكتب بره… فوراً.
رجليا كانت بتجر على الأسمنت كأنها متكتفة بسلاسل حديد. خطوة ورا خطوة، مشيت وراه لحد باب المكتب الخشب القديم اللي في زنق الورشة. عز الدين زق الباب ودخل، وأنا دخلت وراه، وصوت الباب وهو بيتفل ورايا كان زي صوت قفل زنزانة فاتحتها مفيش منها خروج.
المكتب كان دافي، ريحة الخشب العتيق والجلود الفخمة مسيطرة عليه، وعلى الترابيزة الكبيرة كان فيه كاس شاي بيرد وأوراق متستفة بعناية. عز الدين مشي لحد ما وقّف ورا مكتبه، بس مقتعدش. لف وشّه ليا، وسند إيديه الاثنين على طرف الترابيزة، وعينيه المثبتة عليا كانت بتخترقني كأنه بيشوف كل حقيقة حاولت أدفنها من سبع شهور.
اقفلي الباب والمفتاح. صوته كان واطي، بس خالي تماماً من النبرة اللي اتكلم بيها مع حسام. مكانش فيه غضب، كان فيه هدوء يرعب.
إيدي المرتعشة مسكت المفتاح ولفيته. الصوت الصغير ده خلّى جسمي كله يترعش.
دلوقتي… عز الدين قرب خطوتين، ونظرته نزلت من وشي لرباط صدري المخفي تحت القميص، ورجعت تاني لعيوني. من غير كذب، ومن غير تمثيلية آدم راضي اللي شبعت منها… إنتي مين؟
بلعت ريقي بصعوبة، حسيت حلقي ناشف زي الصحراء. حاولت أفك الأفرول المليان شحم، صوابعي كانت بتتلعثم في الأزرار. بصيت للأرض وقولت بنبرة خافتة، والمرة دي سبت صوتي الطبيعي يطلع… الصوت النظيف الناعم اللي مسمعتوش من سبع شهور
ملك… ملك عبدالسلام.
عز الدين ما اندهش، بس حواجبُه اتعقدت خفيف، وكأنه بيكمل باقي الصورة في دماغه. عبدالسلام… بتاع مجموعات النقل والتخليص الجمركي؟
رهت براسي ببطء وأنا مش قادرة أرفع عيني فيه أيوه.
وماجد الشناوي… عز الدين كمل وهو بيميل برأسه، كان المفروض تجوزيه؟
كان حيجوزني غصب عني… صفقة بين أبويا وبينه. هربت ليلة الفرح، قصيت شعري، ولبست هدوم أخويا الله يرحمه، وجيت هنا… عشان أختفي. عشان مفيش حد يدور على بنت في ورشة ميكانيكا للجيزة.
رفع عز الدين إيده ومسح على دقنه الهادية، وعينيه كانت بتدرس كل كلمة بنطقها. سبع شهور عايشة وسط الرجالة، بتاكلي وتنامي وتشتغلي في الشحم والتراب… عشان تهربي من الشناوي؟
عشان أهرب من سجن أفظع من ده ألف مرة، رفعت عيني وبصيت له للقطة، والدموع كانت محبوسة في عينيا بتلمع. الشناوي مش راجل اتجوزه يا عز بيك… الشناوي كان هيقتل كل حاجة فيا. أنا فضّلت أندفن هنا كآدم، ولا إن أكون لعبة في إيده.
المكتب ساد فيه سكوت تقيل. عز الدين فضّل باصصلي لثواني طويلة، كأنه بيوزن كلامي على ميزان خاص بيه. مشي ببطء ناحية الشباك الصغير اللي بيطل على الورشة بره، وبص للصنايعية اللي شغالين.
الشناوي مش عبيط يا ملك، عز الدين قال اسمها لأول مرة، وصوت الاسم في المكتب كان غريب، كأنه كشف السر تماماً. حسام مش هيسكت. الشك اللي في عينيه النهاردة هيخليه يقلب الدنيا بره الورشة، وممكن يرجع برجالة أكتر أو يبلغ ماجد بنفسه.
قلبي اتخلع، وبدون ما أحس قسيت على إيدي وقولت بلهفة أنا همشي! والله همشي دلوقتي حالا مش هسببلك أي مشاكل مع الشناوي… أنا هاخد حاجتي و…
تقعدي مكانك.
الكلمة طلعت منه زي السيف. حسيت إني اتسمرت في أرضي.
لف عز الدين وبصلي بنظرة صارمة، بس المرة دي مكانتش حادة، كان فيها حاجة تانية… حاجة شبه الحماية.
حد يخرج من ورشة المغربي وهو مستهدف بالطريقة دي، يبقى أنا بسلمه لإيديهم بنفسي، عز الدين قالها وهو بيمشي ناحية الخزنة الحديد المستخبية ورا اللوحة على الحيطة. وأنا محدش بيملي عليا أسلم مين ولا أحمي مين. الشناوي يستجرى يجرب حظه معايا… بس إنتي من اللحظة دي مش آدم بتاع الورشة.
بصيتله بعدم فهم، ودمعة واحدة نزلت من عيني غصب عني مسحتها بسرعة بظهر إيدي الملوثة بباب الزيت.
عز الدين فتح الخزنة وطلع منها مفتاح صغير، وبصلي بجدية شديدة من النهاردة هتطلعي تعيشي في الشقة اللي فوق الورشة. محدش من العمال هيشوفك تاني بأفرول الميكانيكا، وحسام لو رجع… هيلبس التهمة اللي هيجيبها لنفسه.
خطيت خطوة لقدام وقولت بصوت بترعش ليه؟ ليه تعمل معايا كده وإنت ما تعرفنيش؟
عز الدين قرب مني، وقدم المفتاح لإيدي. لما صوابعه لمست صوابعي، كانت لمسته دافية وثابتة، وحسيت لأول مرة من سبع شهور إن فيه حيطة ساندة ضهري.
لأن الراجل اللي يمد إيده على واحدة غصب عنها أو يفتكر إن نفوذه يخليه يملك بني آدمة… يلزمك تعرفي إن فيه في الجيزة رجالة أجدع منه بكتير.
سحبت إيدي ببطء والمفتاح في قبضتي، كان دافي من مسكته. نظرتي كانت متثبتة على المفتاح النحاس الصغير، وبعدين رفعتها لوشه. عز الدين المغربي مكانش مجرد راجل بيحمي حد في ضائقة، كان فيه في عينيه هدوء مريب… هدوء الراجل اللي دخل حرب وعارف إنه هيكسبها قبل ما تبدأ أساسًا.
الشنطة بتاعتك فين؟ سأل وهو بيمشي ناحية باب المكتب.
في الأوضة اللي ورا المخزن… الشنطة الصغيرة. صوتي كان لسه بيطلع مبحوح، ناعم زي ما نسيت إنه كان.
عز الدين ما لفش، بس هز راسه. هتطلعي من الباب الخلفي للمكتب، فيه سلم حديد طالع ل الشقة فوق. الميكانيكية مش هيشوفوكي. تامر هو الوحيد اللي هيفهم إن آدم مشي، وهجيب لك حاجتك لحد عندك.
وعز الدين بك… ناديت عليه قبل ما يفتح الباب.
وقف وإيده على المقبض، ولَف نص لفة.
حسام مش عبيط… وهيرجع لماجد. ماجد الشناوي نفوذه مش بس في الجيزة أو التجمع، ده عنده ناس في
قاطعني بابتسامة صغيرة، دافية بس مليانة ثقة تخوف. ماجد الشناوي بيلعب في الطين يا ملك… وأنا اللي بيبني المباني اللي هو بيمشي تحتها. الشناوي لو فكر بس يرمي طوبة ناحية الورشة دي، أنا ههدم عليه كل المخازن والشركات اللي حاطط إيده عليها في السوق. العبي غيرها… واطلعي فوق.
فتح الباب وخرج، وسابه موارب.
مشيت بخطوات مسروقة ناحية الباب الخلفي. السلم الحديد كان ضيق ونازل منه ريحة الصدأ والرطوبة. طلعت درجة درجة، وجسمي كله كان بيترعش من الفكرة بعد سبع شهور من نومة الأرض في زنقة المخزن، وربط صدري اللي كان بيخنق نفسي كل ليلة، وأفرول الميكانيكا المليان شحم… أنا رايحة مكان أقدر أتنفس فيه ك ملك.
فتحت باب الشقة فوق بالمفتاح.
المكان كان واسع، حيطانها خشب دافي، وفيه شبابيك كبيرة بتبل على الشارع الوراني البعيد عن الورشة. كانت نظيفة كأن فيه حد بيعديها بانتظام، وفيها سرير كبير، وكنبة جلد، وشباك بيبص على النيل من بعيد.
قعدت على طرف السرير، وحطيت إيدي على وشي. لأول مرة من سبع شهور، بكيت. دموع نزلت حامية، مسحت معها هباب الزيت والسناج اللي كان على خدي. بكيت على ملك اللي ضاعت، وعلى السبع شهور اللي عشتهم كخيال راجل، وعلى الخوف اللي جالي مع دخول حسام.
بعد نص ساعة، خبطتين هاديين على الباب.
فتحت، كان عز الدين واقف، ماسك شنطتي الصغيرة في إيد، وفي الإيد التانية كرتونة مقفولة.
دخل وحط الحاجة على الترابيزة. دي شنطتك… والكرتونة دي فيها هدوم