بعد ست شهور
لمحة نيوز
بالنسبة لها من الماضي.
بصيت لأمها وقولتلها بصوت مخنوق مبروك.. ربنا يسعدها.
ومشيت فوارا، خرجت من البيت ده وأنا بجر رجليا بالعافية، مش شايفة الطريق قدامي من الدموع اللي كانت حابساها في عيني بالعافية. طوال طريق الرجوع من المنصورة للقاهرة، وأنا ساكتة تماماً، وصلت البيت، البيت الضلمة المهجور اللي مابقاش فيه غيري وغير ذكريات ابني. دخلت على أوضتي، قفلت الباب عليا بالمفتاح، وطلعت الجواب من الشنطة.. حضنته جامد على صدري وقعدت أبكي، أبكي بانهيار وبصوت عالي، على شبابك اللي راح يا ابني، وعلى قلبك اللي حب وصان وفي الآخر اتنسيت في كام شهر.
مسحت دموعي وقلت أما أفتح الجواب.. أما أشوف كان عايز يقول إيه لمراته قبل ما يموت؟ إيه السر المهم اللي مكنش ينفع يتقال في التليفون وكان شايل همه وهو طالع المأمورية الصعبة دي؟
فتحت الظرف براحة كانت أسطر قليلة جداً.. مكتوبة بخط إيده اللي حافظاه زي اسمي.
بدأت أقرأ السطور دي.. وقبل ما ألم الكلمات الأخيرة من الجواب، الدنيا لفت بيا ووقعت من طولي …حسيت عقلي اتوقف عن التفكير. حاولت أصرخ من شدة الصدمه بس لساني اتشل.. وصوتي راح تماماً ومطلعش من فظاعة اللي قريته !!!
لما فقت، لقيت نفسي مرمية على الأرض، والجواب واقع جنبي، وإيدي لسه ماسكة طرفه كأني كنت خايفة يطير مني.
بصيت للورقة تاني، وأنا مش مصدقة عيني.
الكلام كان واضح…
مراتي سارة…
لو الجواب ده وصلك، يبقى غالبًا أنا اتأخرت، وممكن يكونوا قالولك إني مت.
بس أوعديني متصدقيش أي خبر عني من غير ما تتأكدي بنفسك.
أنا لسه عايش.
المأمورية اللي إحنا فيها اتعرضت لهجوم، والقيادة قررت تعمل خدعة عسكرية عشان تمنع العدو من معرفة عدد اللي لسه عايشين ومكانهم.
واحد من أفراد القوة استشهد، واتعملت خطة إن هويته تتبدل بهويتي، ويتدفن على إنه أنا.
أنا مش عارف هرجع إمتى، ولا حتى عارف إذا كنت هقدر أرجع أصلًا، بس أنا حي.
وصاحبي عارف الحقيقة، وهو الوحيد اللي معاه الجواب ده.
لو أنا اتأخرت، استنيني.
متصدقيش إني مت إلا لما تشوفي بعينيكي الدليل.
أنا بحبك، وراجعلك.
فضلت باصة للورقة كأنها مكتوبة بلغة مش بفهمها.
وبعدين فجأة صرخت.
صرخة طلعت من جوايا كأنها كانت محبوسة ست شهور!
ابني عايش!
وقفت بالعافية، ووقعت تاني وأنا بضحك وبعيط في نفس الوقت.
ابني عايش يا رب! خالد عايش!
فضلت ألف في البيت وأنا مش عارفة أعمل إيه.
مرة أضحك، ومرة أبكي، ومرة أحط إيدي على قلبي وأقول
يا رب أنا بحلم؟ يا رب متطلعش دي رحمة مؤقتة وهتصحيني منها تاني!
رجعت قريت الجواب أكتر من مرة.
كل كلمة كانت بتأكدلي إن ابني ما ماتش.
وإن الصندوق اللي دفنته بإيدي…
كان فيه شخص تاني.
كانوا عاملين خدعة عسكرية، ودفنوا واحد من الأعداء بعد ما اتعملت له إجراءات تخلي الجميع يعتقد إنه ابني.
وساعتها فهمت ليه صاحبه اتأخر.
فهمت ليه كان مصر يوصل الجواب بإيده.
وفهمت ليه ابني قاله
لو حصلي حاجة، الجواب ده لازم يوصل لسارة بسرعة.
بس كلمة بسرعة كانت هي اللي وجعتني.
لأن الجواب اتأخر ست شهور.
ست شهور كاملة!
وأنا طول الست شهور دول كنت بدعي لابني بالرحمة، وسارة…
كانت بتعيش حياتها على أساس إن جوزها مات.
وفجأة استوعبت المصيبة.
سارة اتجوزت.
اتجوزت من شهر.
يعني ابني عايش، ومراته بقت على ذمة راجل تاني!
حطيت إيدي على دماغي وقعدت على السرير.
يا ساتر يا رب… يا خالد… يا حبيبي!
أنا فرحانة إن ابني عايش، دي أعظم فرحة في حياتي.
لكن في نفس الوقت، قلبي اتقبض عليه.
إزاي هيكون حاله لما يعرف؟
إزاي هيتقبل إن الست اللي كان فاكر إنها مستنياه، اتجوزت غيره؟
إزاي هيتقبل إن الست اللي كان فاكر إنها مستنياه، اتجوزت غيره؟
وإزاي هقول له إن الجواب وصل متأخر؟
فضلت طول الليل قاعدة في الصالة، والجواب قدامي.
مقدرتش أنام.
كل شوية أفتكر لحظة دفنه.
وأفتكر وأنا واقفة قدام القبر وبقول
سامحني يا ابني.
وأفتكر إزاي كنت فاكرة إن خلاص مش هشوفه تاني.
وبعدين أضحك لوحدي وأقول
هشوفك يا ضنايا… هشوفك.
بعد يومين، صاحب ابني اتصل بيا.
أول ما سمعت صوته قلتله
إنت كنت عارف إن خالد عايش؟!
سكت ثواني، وبعدين قال
أيوه يا أمي… وعارف إن الخبر وصل متأخر، بس والله الظروف كانت أقوى مننا.
قولتله وأنا بعيط
وصل بعد ما مراته اتجوزت يا بني!
اتنهد وقال
أنا عارف.
سألته
طب إزاي حصل كده؟
قال
بعد المأمورية، حصلت كارثة. القيادة اضطرت تعمل إجراءات رسمية، واتعامل مع خالد باعتباره من الشهداء، واتصدر قرار رسمي بوفاته بعد ما اتأكدوا إن مفيش إمكانية للوصول ليه في الوقت ده. لكن الحقيقة إن خالد كان لسه عايش، واتنقل من مكان لمكان، وكل اللي حصل كان جزء من خطة عسكرية للحفاظ على حياة باقي القوة.
حطيت إيدي على قلبي.
يعني القرار الرسمي هو اللي خلّى سارة تتجوز؟
قال
أيوه. وهي مكنتش تعرف أي حاجة عن الحقيقة. بالنسبة لها، جوزها مات، وعدتها خلصت، وبعدها اتجوزت.
قفلت معاه وأنا بين نارين.
فرحانة إن ابني عايش…
وخايفة من اليوم اللي هيعرف فيه إن مراته اتجوزت غيره.
مرت أسابيع، لحد ما في يوم سمعت خبط على الباب.
قلبي دق بطريقة غريبة.
جريت أفتح.
وأول ما فتحت…
وقفت مكاني.
كان خالد.
ابني.
قدامي.
وشه اتغير، جسمه خِس، وعينيه فيها تعب سنين.
بصلي وقال
ماما…
أنا معرفتش أعمل حاجة غير إني ارتميت في حضنه.
فضلت أعيط وأقول
يا حبيبي… يا ضنايا… يا نور عيني!
وهو كان بيحضني ويعيط.
قال
وحشتيني أوي.
قولتله
أنا دفنتك بإيدي يا ابني.
قال
عارف.
بعد ما هدي شوية، بصلي وقال
سارة فين؟
ساعتها سكت.
عرف من وشي إن في حاجة.
قعد قدامي وقال
قولي يا أمي.
طلعت الجواب من شنطتي وحطيته قدامه.
وقلت
قبل ما أقولك أي حاجة… اقرأ ده.
قرأ الجواب.
ولما خلص، رفع عينه ليا وقال
وصلها؟
نزلت عيني في الأرض.
لا.
ليه؟
قولت
لما روحت لها بعد ست شهور… عرفت إنها اتجوزت من شهر.
فضل ساكت.
وبعدين قال
اتجوزت؟
هزيت راسي.
أيوه.
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال
بس هي كانت عارفة إني مت.
قولت بسرعة
أيوه يا ابني. كان فيه قرار رسمي بوفاتك، والعدة خلصت، وهي اتجوزت على أساس إنك مش موجود.
قال
يعني هي مكنتش بتخونني.
قولت
طبعًا لأ.
حط إيده على وشه.
وقال
الحمد لله إنها مكنتش بتخونني.
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي صراخ.
كان ابني موجوع، بس لسه بيحاول ينصف الست اللي كان بيحبها.
بعد يومين، اتفقنا إن الموضوع لازم يمشي رسمي.
مش هينفع حد ياخد قرار لوحده.
روحنا للجهات المختصة، وقدمنا كل الأوراق اللي تثبت إن خالد حي، والقرار الرسمي اللي كان صدر بوفاته، وكمان أوراق زواج سارة الثاني.
وسارة جت وهي منهارة.
أول ما شافت خالد، وقفت مكانها كأن الأرض اتسحبت من تحت رجليها.
فضلت تبصله ومش قادرة تتكلم.
وبعدين قالت
خالد…
صوتها اتكسر.
والله ما كنت أعرف إنك عايش.
خالد بص لها فترة طويلة.
وقال
أنا مصدقك.
بكت وقالت
أنا استنيتك لحد ما قالولي إنك مت رسميًا. كنت فاكرة إن حياتي انتهت، وأهلي قالولي إن لازم أكمل حياتي.
قال
أنا عارف.
قالت
أنا مكنتش عايزة أنساك.
رد بهدوء
أنا مش جاي ألومك.
وبعدين بص للورق قدامه وقال
إحنا محتاجين نعرف الأول وضع كل حاجة رسميًا. أنا مش هظلمك، ومش هظلم الراجل اللي اتجوزك وهو كمان مكنش يعرف الحقيقة.
سارة كانت بتعيط.
قالت
طب وإنت؟
رد
أنا هعمل اللي يرضي ربنا والقانون.
مرت أيام صعبة.
وبعد مراجعة الأوراق والوقائع، اتحدد الوضع القانوني للزواجين وفق الإجراءات الرسمية، وانتهى الأمر إن سارة تكمل حياتها بعيد عن خالد، من غير ما حد فيهم يتهم التاني بالخيانة.
وقتها سارة راحت لخالد للمرة الأخيرة.
وقفت قدامه وقالت
لو كنت رجعت قبل ما أتجوز، كنت هرجعلك من غير تفكير.
ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال
وأنا لو كنت رجعت في وقتها، كنت أخدتك وبدأنا من جديد.
سكت لحظة.
وبعدين قال
بس ربنا كتب لنا طريق تاني.
سارة بكت.
هتكرهني؟
هز