رجع عشان

الهدوم الغالية دي!
في اللحظة دي، الباب الصاج خبط خبطة خفيفة.
دخل نوح الصغير، ومسك في ديل فستان أمه. بص لأبوه اللي قاعد على الأرض والدموع مغرقة وشه، ومسك العربية اللعبة الخشبية اللي من غير عجلة.
ماما… الحاجة فتحية بتقول لك الشاي جاهز. والراجل ده… هو الراجل ده بيعيط ليه؟
محمود بص لابنه، وقلبه اتعصر. مد إيده برعشة وقال
نوح… أنا أسف يا بني. أنا أسف إن اللعبة دي ناقصة عجلة… وأسف إن باباك كان ناقص عقل.
الولد بص لأمه كأنه بيستأذنها بباظات عيونه. مريم هزت رأسها ببطء بالقبول.
نوح خطى خطوتين، ومد إيده الصغار وحط العربية الخشب في إيد محمود
إنت ممكن تصلحها؟ أصل عم رامي قال لي أبوي مات وما فيش حد هيصلحها لك تاني.
محمود حضن الولد بكل قوته، وعصر جسمه الصغير في صدره وهو بيعيط بصوت مسموع هز جدران الصاج كلها. الولد في الأول اتخض، بس بعدها حط إيديه الصغيرين حوالين رقبة أبوه.
الساعة كانت 1130 صباحاً في البرج الإداري الفخم في منطقة التجمع الخامس.
رامي الشاذلي كان قاعد في مكتب محمود الفخم، لابس بدلة إيطالي بآلاف الجنيهات، حاطط رجل على رجل، وبيمسك القلم بيبص في الساعة.
المحامي بتاعه كان قاعد قدامه
الباشمهندس محمود اتأخر ليه يا أستاذ رامي؟ المزاد بتاع أرض التجمع هيقفل الساعة 1، ولازم التوقيع بتاعه على التنازل النهائي عشان الأراضي تتسجل باسم الشركة الجديدة بتاعتك.
رامي ابتسم بخباثة وطمع
متخافش يا متر… محمود زي الأعمى، بيثق فيا أكتر من نفسه. خمس دقائق وتلاقيه داخل، يوقع الأوراق، وياخد طيارته على أسوان يتشوى في مواقع البناء، ونخلص إحنا من القصة دي كلها ونقبض الملايين!
وفجأة…
الباب الزجاجي الضخم بتاع المكتب اتكسر حتت حتت بصوت زي الانفجار!
الأمن حاول يمنع، بس محمود دخل زي الأسد المجروح!
ما كانش لابس بدلة، كان لابس نفس القميص اللي عليه طين العشة الصاج، وعينيه ناطقة الموت!
ورا محمود، كان فيه أربعة من رجالة الصعيد الشداد اللي شغالين معاه في المقاولات، سادين الطرقة كلها!
رامي اتنطر من على كرسيه والورق وقع من إيده
محمود؟! إيه ده؟! إيه اللي حصل؟! مالك يا باشمهندس؟!
محمود مشي بخطوات ثابتة ومرعبة نحو المكتب. ما تكلمش ولا كلمة.
أول ما وصل قدام رامي، مسكه من ياقة البدلة الإيطالي بغلّ سنين، ورفعه من على الأرض وضرب راسه في المكتب الرخام بقوة خلّت رامي يصرخ والدم يسيل من مناخيره!
محمود! إنت اتجننت؟! الحقوني يا أمن! صرخ رامي وهو بيحاول يربك.
رجالة محمود وقفوا الأمن في مكانهم بتهديد واضح، والمحامي استخبى تحت الترابيزة من الرعب.
محمود مسك رامي من شعره ورفعه لمستواه، وقال بصوت حاد وزي جحييم مكتوم
28 ألف جنيه كل شهر يا خاين؟! البيت اللي اتباع بأربعة مليون؟! الماكينة الخياطة اللي ائترهنت عشان تشتري علاج لابني ب 200 جنيه؟! العشة الصاج اللي سيبت مراتي وابني فيها يا ابن الكلب؟!
رامي وشه اصفرّ زي الميت، وعينيه طلعت لبرا من الخوف
محمود… اسمعني… والله العظيم مظلوم… مريم هي اللي…
نزلت عليه القلم اللي كان هيموت محمود من الحسرة. بوكس مباشر في وشه كسر سنانه القدامانية!
ما تنطقش اسمها على لسانك الزفر يا واد يا نجس!
زعق محمود وهو بيرميه على الأرض وبيدوس على إيده بالجزيرة
إنت فاكر إنك شاطر؟ فاكر إن محمود الشاذلي كبر وخرف ومش هيعرف يوصل للحقيقة؟! الأوراق والتوكيلات المزورة اللي معاك دي… هي اللي هتسحل رجلك في التخشيبة النهاردة!
دخل في اللحظة دي ضابط مباحث ومعاه قوة من الشرطة، محمود كان طالَبهم وهو في الطريق من المنطقة الشعبية بعد ما جاب التحويلات وإيصالات الحاجة فتحية وشهدائها.
الضابط بص لرامي المرمي في دمه على الأرض وقال
أستاذ رامي الشاذلي؟ إنت مطلوب للنيابة العامة بتهم التزوير في أوراق رسمية، والنصب والإحتيال، والإستيلاء على أموال القصر والتهديد!
رامي وهو بيتعفرت في دمه بص لمحمود ودموعه نازلة
سامحني يا محمود! الشيطان غواني! إحنا قرايب يا محمود!
محمود بص له بقرف ونفل عليه
القرابة اتدفنت في العشة الصاج يا رامي… السجن قليل عليك، والنعمة اللي كنت فيها هتشوف عذابها يوم بيوم جوة التخشيبة!
الشرطة سحبت رامي الكلبشات في إيديه وسط ذهول كل الموظفين في الشركة، والمحامي جاب الملفات كلها وجري يسلمها للشرطة عشان ينفذ بجلده.
بعد أسبوعين…
في أرقى أحياء المعادي، كان فيه فيلا دورين فيها جنينة واسعة، وشجرة ليمون كبيرة متزرعة في وسط النجيل الأخضر.
مريم كانت واقفة في البلكونة، لابسة فستان بسيط وأنيق، ووشها ردت فيه الصحة واللون الوردي.
في الجنينة تحت، كان نوح بيجري ورا كلب صغير، وبيضحك بصوت عالي ملا المكان بهجة، ومحمود قاعد على كرسيه، بيصلح له عربية لعبة كبيرة بالكهرباء، وبينظر للولد بحب ودفا ما حسش بيه طول حياته.
طلع محمود البلكونة، ومسك كوبايتين شاي بالنعناع، وحط واحدة قدام مريم.
نوح مبسوط أوي في المدرسة الجديدة… والدكاترة قالوا التهاب الرئة اختفى تماماً بفضل ربنا.
مريم بصت له، ولأول مرة من سنة طويلة، ابتسمت ابتسامة حقيقية مش مكسورة
شكراً يا محمود… على كل حاجة عملتها الأسبوعين اللي فاتوا.
محمود هز رأسه بالرفض وقرب منها
ما تقوليس شكراً يا مريم… أنا ما عملتش غير واجب متأخر خمس سنين. الشركة دلوقتي نصها باسمك وباسم نوح بصفة رسمية، ورامي أخد 15 سنة سجن
مش هيشوف فيهم الشمس.
سكت شوية، وبعدين كمل بصوت خافت مليان أمل رجاء
الأوراق بتاعة الطلاق أنا حرقتها… بس أنا مش هفرض نفسي عليكِ. أنا قاعد هنا في أوضة الضيوف… لحد ما تحسي إن محمود القديم رجع بجد، وإنك قادرة تأمنيله تاني.
مريم بصت لشجرة الليمون اللي تحت، وبعدين بصت في عينيه اللي كانت مليانة صدق وندم
الشجرة اللي زكراها زمان ماتت يا محمود… بس الشجرة الجديدة اللي زرعتها في الجنينة دي محتاجة رعاية ومية عشان تكبر. وإنت أثبت إنك تقدر تسقيها.
محمود ابتسم، وعينيه ألمعت بدموع الفرحة، ومد إيده حطها على إيدها فوق السور
أوعدك… مش هسيب نقطة مية واحدة تضيع تاني، ولا هسمح للريح تهز شبر واحد من بيتنا!
وعرف محمود إن أثمن حاجة في الدنيا مش الشركة ولا الملايين اللي في البنوك… أثمن حاجة هي الروح اللي بتصونها، والبيت اللي بتبنيه بالحب والصدق، والأمان اللي بتديه لاهلك وقت ما الدنيا كلها تقسى عليهم.
تمت

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *