ليلة فرحي حماتي نامت في أوضتي، ولما فتحت الباب الصبح اكتشفت سرًا قلب حياتي اسمي ندى، وعمري تلاتين سنة. عمري ما كنت أتخيل إن أكتر ليلة كنت مستنياها في حياتي، ليلة فرحي، ممكن تتحول في ساعات قليلة لحاجة تخليني أشك في كل اللي حواليا. كنت طول اليوم بين الزغاريد، والتصوير، والناس اللي داخلة وخارجة، والتهاني، وقرايبي اللي كل شوية واحدة فيهم تشدني من إيدي وتقول ربنا يسعدك يا ندى. وأنا كنت بضحك، رغم إن رجلي كانت وجعاني من الوقفة، ووشي كان خلاص مش قادر يستحمل طبقات المكياج. لكن جوايا كان فيه إحساس جميل. أخيرًا النهار خلص. وأخيرًا هروح أوضتي مع جوزي، نقفل الباب، ونبعد عن دوشة الناس كلها. جوزي، كريم، كان هادي طول اليوم، وبيحاول على قد ما يقدر يطمنّي وسط الزحمة. كل ما عيني تيجي في عينه كان يبتسم لي، وكأنه بيقول من غير كلام خلاص الليلة دي هتخلص ونرتاح. وفعلًا، بعد ما معظم الضيوف مشيوا، طلعت أوضتي. دخلت الحمام، غسلت وشي، وبدلت هدومي، وبعدها قعدت قدام المراية أفك آخر مشبك في شعري. كنت تعبانة جدًا. لكن كنت مبسوطة. لحد ما سمعت خبطتين خفيفين على الباب. افتكرت إن كريم دخل. قلت ادخل. الباب اتفتح لكن اللي دخل كان كريم فعلًا، بس شكله ماكانش طبيعي. كان متوتر. بص لي ثانيتين، وبعدين قال ندى ممكن أطلب منك طلب؟ بصيت له باستغراب خير؟ اتنهد وقال ماما تعبت شوية. قومت من مكاني بسرعة مالها؟ قال شربت شوية مع الستات، والظاهر إن جسمها مااستحملش. مش قادرة تقف كويس. قلت من غير تفكير طب خليها تنام في أوضة الضيوف. سكت لحظة. وبعدين قال هي مش عايزة تنام هناك. استغربت أكتر يعني إيه؟ قرب مني وقال ممكن تنام هنا الليلة دي؟ افتكرت إنه بيهزر. بصيت له وأنا مستنية يضحك. لكنه ما ضحكش. قلت هنا؟! قال أيوه. في أوضتنا؟ ليلة واحدة يا ندى. اتنهدت وقلت كريم، دي أول ليلة لينا بعد الفرح. قال بسرعة وأنا عارف. بس هي أمي، ومش هينفع أسيبها لوحدها وهي بالحالة دي. كنت متضايقة جدًا. مش من حماتي نفسها بس لكن من فكرة إن أول حاجة تحصل بعد الفرح إن أنا أطلع من أوضتي. ومع ذلك، ماحبتش أعمل مشكلة. قلت خلاص. بعدها بدقايق دخلت حماتي. كانت فعلًا مترنحة، وماسكة المخدة بإيدها، وبتحاول تضحك كأن مفيش حاجة حصلت. قالت لي معلش يا ندى يا بنتي، هتعبك معايا. ابتسمت بالعافية ولا يهمك. كريم ساعدها تدخل السرير. وبمجرد ما نامت، بص لي وقال أنا هقعد جنبها شوية لحد ما تنام. هزيت راسي. خدت مخدتي وغطايتي، وخرجت من الأوضة. قعدت على الكنبة في الصالة. وأنا بقول لنفسي بكرة تعدي. ماكنتش عايزة أبدأ جوازي بخناقة. خصوصًا إن حماتي من النوع اللي بيحب يعرف كل حاجة. من أول ما اتخطبت لكريم وأنا ملاحظة إنها بتتدخل في تفاصيل كتير. لكن كنت دايمًا بقول لنفسي دي أمه وأنا لازم أكون عاقلة. مر وقت. البيت كله سكت. صوت الناس اختفى. والزغاريد اللي كانت مالية المكان من ساعات، بقت مجرد ذكرى. حاولت أنام. لكن كل شوية كنت بسمع صوت خطوات فوق. مرة صوت باب بيتفتح. ومرة صوت كرسي بيتحرك. وبعدها سكون. عدت الساعة واحدة. وبعدين اتنين. وبعدين تلاتة. وأنا لسه صاحيه. في حوالي الساعة خمسة إلا ربع، سمعت صوت حاجة وقعت فوق. اتعدلت على الكنبة. قلبي دق بسرعة. استنيت أسمع أي صوت تاني. لكن مفيش. قلت لنفسي يمكن كوب وقع. وبعدها من شدة التعب، عيني غلبتني. صحيت قبل الساعة ستة بشوية. أول حاجة افتكرتها إن عندي قرايب لسه في البيت. قومت بسرعة. غسلت وشي، وطلعت السلم على أطراف صوابعي. كنت عايزة أصحي كريم عشان ننزل نسلم على الناس قبل ما يمشوا. وصلت قدام باب الأوضة. إيدي كانت لسه هتمسك المقبض لكن فجأة حسيت بحاجة غريبة. الباب كان موارب. فتحت الباب بهدوء. دخلت خطوة. وبعدين خطوة تانية. كريم كان نايم على ضهره. وحماتي كانت نايمة على الناحية التانية من السرير. المشهد ضايقني، لكن في اللحظة دي ماكانش ده أهم شيء. لأن عيني وقعت على الأرض. وكان فيه ظرف أبيض صغير واقع جنب السرير. ظرف أنا متأكدة إني ماشفتهوش قبل كده. انحنيت آخده. لكن قبل ما ألمسه، لاحظت إن طرف ورقة كان ظاهر منه. وعلى الورقة كان مكتوب اسم أبويا. اتجمدت. أبويا؟! إيه علاقة ورقة باسم أبويا بحماتي في أوضة نومي؟ بصيت ناحية كريم. كان لسه نايم. بصيت ناحية حماتي. وفجأة، وهي نايمة، اتحركت إيدها وسقط من تحت المخدة مفتاح صغير على الأرض. مفتاح شكله قديم. ومربوط فيه شريط أزرق أعرفه كويس جدًا. لأن الشريط ده كنت شوفته قبل كده في مكان واحد بس. في بيت أبويا. مديت إيدي ناحية المفتاح. لكن قبل ما ألمسه سمعت صوت كريم من ورايا ندى اتجمدت في مكاني. رفعت راسي ببطء. كريم كان صاحي. وبيصص لي. وبمجرد ما شاف المفتاح في إيدي، وشه اتغير تمامًا. قال بصوت منخفض إنتِ لقيتيه؟ قلت لقيت إيه يا كريم؟ سكت. وبص على الظرف. وبعدين على المفتاح. وبعدين قال جملة خلتني أحس إن ليلة فرحي لسه ما بدأتش أصلًا كان المفروض ما تعرفيش باللي حصل قبل ما نلاقي الدليل. بصيت له بعدم فهم. دليل على إيه؟ لكنه ما ردش. وفي اللحظة دي حماتي فتحت عينيها. وأول ما شافتني واقفة بالمفتاح والظرف في إيدي، وشها اتغير. وبصوت مرتجف قالت يا نهار أبيض إنتِ فتحتي الظرف؟! قلت لأ. سكتت لحظة. ثم قالت الحمد لله. الكلمة دي بالذات خوفتني أكتر من أي حاجة. لأن واضح جدًا إن الظرف ده كان مخبي سر كبير وسر متعلق بأبويا. لكن لسه ماكنتش أعرف إن اللي جواه هيكشف حاجة اتخبّت عني سنينالسر اللي جوه الظرف فضلت واقفة مكاني، وبصيت لكريم وأنا ماسكة الظرف. قلت له يعني إيه كان المفروض ماعرفش؟ إيه اللي حصل؟ كريم قام من على السرير بسرعة، لكن بدل ما ياخد الظرف مني، وقف مكانه كأنه مش عارف يبدأ كلامه منين. حماتي كانت قاعدة على السرير، ووشها اتغير تمامًا. مش وش واحدة كانت تعبانة من الليلة اللي فاتت لأ. كان وش واحدة اتفاجأت إن حاجة كانت مخبياها اتكشفت قبل ميعادها. قلت لها حضرتك تعرفي الظرف ده؟ ما ردتش. بصيت لكريم وإنت كمان تعرفه؟ قال بصوت منخفض أيوه. قلبي دق أسرع. ومن إمتى؟ كريم بص لأمه، وبعدها رجع بص لي. من قبل فرحنا. اتصدمت. يعني إنت كنت مخبي عليا حاجة قبل ما أتجوزك؟ قال بسرعة مش بالطريقة اللي إنتِ فاهمها. ضحكت ضحكة قصيرة من شدة التوتر. وأنا فاهمة إيه أصلًا؟ أنا لسه ماعرفتش حاجة! مد إيده ناحية الظرف. اديني الظرف يا ندى. شدّيته مني وقلت لأ. ندى لأ يا كريم. ده عليه اسم أبويا. سكت. وكان سكوته هو اللي خوّفني. لو مفيش حاجة خطيرة، كان ممكن يقول لي ببساطة إن الموضوع سوء تفاهم. لكن هو ساكت. حماتي قامت من السرير، واتكلمت لأول مرة بنبرة حادة سيبيه يا ندى. لفيت لها. ليه؟ قالت لأن اللي جواه مش من حقك تعرفيه بالطريقة دي. اتسعت عيني. مش من حقي؟ ده اسم أبويا مكتوب عليه! هنا كريم اتحرك ناحيتي. لكن قبل ما يوصل، سمعت صوت باب البيت بيتفتح تحت. وبعده صوت واحد من قرايبي بيقول يا جماعة في حد صاحي؟ بصيت لكريم بسرعة. هو كمان بص ناحية الباب. حماتي قالت بصوت هامس محدش ينزل. استغربت. ليه؟ قالت لأن لو حد شاف الظرف ده دلوقتي، الموضوع هيكبر. قلت الموضوع إيه؟! وفجأة، وأنا بتكلم، الظرف وقع من إيدي. الورقة اللي جواه خرجت نصها. انحنيت آخدها. لكن قبل ما أقدر أشوفها كويس كريم مد إيده وخطفها. صرخت كريم! قال اسمعيني بس. هات الورقة! لو قريتيها دلوقتي، ممكن تفهمي كل حاجة غلط. قلت بغضب وأنا أصلًا فاهمة إيه؟! حماتي قربت مني. ولأول مرة من يوم ما عرفتها، شفت في عينيها خوف حقيقي. قالت يا ندى أبوكي كان عارف. اتجمدت. عارف إيه؟ ما ردتش. قلت عارف إيه يا طنط؟ كريم قفل عينيه للحظة، وبعدها قال عارف إن في حاجة ناقصة من أوراق قديمة تخص العيلة. قلت أوراق إيه؟ سكت. ثم قال بيت جدك. اتنفض قلبي. بيت جدي القديم كان موضوعًا محدش بيتكلم عنه. بيت مقفول من سنين، ومفتاحه كان عند أبويا. قلت وإيه علاقة المفتاح ده بالموضوع؟ بصيت للمفتاح اللي كان واقع على الأرض. الشريط الأزرق. أنا أعرفه. أبويا كان دايمًا بيربط مفاتيحه بشرائط صغيرة عشان ما تضيعش منه. لكن المفتاح ده كان قديم جدًا. حماتي قالت المفتاح ده كان عند أبوكي. بصيت لها. مستحيل. أنا متأكدة. إزاي؟ حماتي بصت لكريم. كأنها مستنية منه هو اللي يقول. كريم تنهد. أبوكي اداه لماما قبل ما يحصل خلاف كبير في العيلة. قلت أي خلاف؟ ما ردش. فجأة، سمعنا صوت خطوات طالعة على السلم. حد كان طالع. كريم بسرعة خبّى الورقة ورا ضهره. حماتي مسحت على وشها وقالت محدش يتكلم عن الموضوع ده قدام حد. الباب اتفتح. دخلت خالتي وهي بتبتسم. صباح الخير يا عرسان! ابتسمت لها بالعافية. لكن عيني كانت على إيد كريم. الورقة كانت لسه معاه. خالتي قربت، وبصت علينا. وبعدين بصت للظرف على الأرض. ابتسامتها اختفت. وقالت إيه ده؟ ولا كريم ولا حماتي ردوا. خالتي قربت خطوة. وأول ما شافت الشريط الأزرق المربوط في المفتاح، وشها شحب. قالت بصوت شبه هامس المفتاح ده رجع تاني؟! بصيت لها بسرعة. إنتِ تعرفيه؟ خالتي ما ردتش. لكنها بدل ما تبص لي بصت لحماتي. ونظرتها كانت مليانة خوف. ثم قالت يبقى اللي كنا خايفين منه حصل. سألتها إيه اللي حصل؟ سكتت. وبعدين قالت لازم تكلمي أبوكي. رديت فورًا أبويا مسافر ومش بيرد من امبارح. هنا سكت الجميع. وبصوا لبعض. قلت إيه؟ خالتي قربت مني وقالت ندى أبوكي مش مسافر. حسيت إن الأرض اتحركت من تحت رجلي. يعني إيه مش مسافر؟ قالت آخر مرة شافوه فيها كانت قبل فرحك بيوم. سكتت لحظة. ثم أضافت ومن وقتها محدش عارف مكانه. بصيت لكريم. فكان أول واحد ينزل عينيه للأرض. وساعتها فهمت إن الليلة اللي بدأت بمشكلة بسيطة بسبب نوم حماتي في أوضتي كانت مرتبطة بسر أكبر بكتير مما تخيلت. لكن السؤال اللي كان بيقتلني أبويا اختفى ليه قبل فرحي مباشرة؟ والأخطر إيه علاقة الظرف والمفتاح باختفائه؟المفتاح اللي فتح باب الماضي فضلت باصة لكريم ثواني طويلة. كان ساكت، وده خلاني أتوتر أكتر. قلت له إنت كنت عارف إن أبويا اختفى؟ رفع عيني لي وقال عرفت إن في حاجة حصلت بس ماكنتش أعرف مكانه. وإمتى عرفت؟ سكت. كريم، إمتى؟ قال قبل الفرح بساعات. حسيت بصدمة. وقبل الفرح بساعات ومقولتليش؟ كنت مستني أتأكد. تتأكد من إيه؟ ما ردش. خالتي كانت واقفة جنب الباب، وشكلها متوتر جدًا. قالت ندى، الموضوع أقدم من اختفاء أبوكي. لفيت لها أقدم إزاي؟ قالت من سنين، أبوكي كان بيدور على ورق معين. ورق إيه؟ ورق ملكية. اتعجبت. ملكية إيه؟ بصت لحماتي. حماتي كانت ساكتة. قلت أنا مش هسكت أكتر من كده. حد يقول لي الحقيقة. حماتي أخيرًا تكلمت بيت جدك. قلت بيت جدي؟ أيوه. بس البيت ده مقفول من سنين! عشان كده بالظبط. بصيت للمفتاح. قلت المفتاح ده بتاع بيت جدي؟ حماتي هزت راسها. مش بالضبط. اتوترت. يعني إيه مش بالضبط؟ قالت ده مفتاح صندوق موجود جوه البيت. سألتها صندوق إيه؟ سكتت. كريم قال صندوق أبوكي كان بيدور عليه. وقفت مكاني. أبويا كان بيدور على صندوق؟ أيوه. وليه؟ كريم قال لأنه كان مقتنع إن جواه حاجة تثبت إن حق كبير اتاخد من العيلة زمان. قلت حق مين؟ لكن قبل ما يجاوب، خالتي قالت حق أبوكي. سكتنا كلنا. وفجأة سمعت صوت هاتفي بيرن. طلعت الموبايل من جيبي. رقم غريب. رديت ألو؟ مفيش رد. ألو؟ سمعت نفسًا خفيفًا. وبعدين صوت رجل قال ندى؟ اتجمدت. أيوه مين؟ قال متفتحيش الصندوق. قلبي وقع. مين حضرتك؟ سكت ثانيتين. ثم قال لو فتحتيه، هتعرفي ليه أبوكي اختفى. وقبل ما ألحق أسأله، الخط اتقفل. بصيت للكل. وشي كان واضح عليه الخوف. كريم قرب مني مين كان بيتكلم؟ قلت واحد قال لي ما أفتحش الصندوق. حماتي حطت إيدها على صدرها. يا ساتر قلت إنتِ عارفة مين؟ هزت راسها بسرعة لأ. لكن نظرتها قالت العكس. قلت بصي في عيني وقولي إنك مش عارفة. سكتت. وهنا خالتي تدخلت خلاص. لازم نروح البيت القديم. كريم قال دلوقتي؟ قالت أيوه. قبل ما حد تاني يوصل له. أنا بصيت للمفتاح. وبعدين للظرف. وقلت وأنا هروح معاكم. كريم حاول يعترض ندى، ده خطر. رديت أبويا اختفى، والكل عارف حاجة وأنا الوحيدة اللي مش عارفة. مش هفضل قاعدة هنا. بعد حوالي نص ساعة، خرجنا. البيت القديم كان في منطقة هادية، بعيد عن الزحمة. طول الطريق، محدش اتكلم. وأنا كنت ماسكة الظرف في إيدي. الغريب إن الورقة اللي جواه كانت لسه مطوية. ولأول مرة، قررت أفتحها. فتحتها ببطء. كانت مجرد صورة قديمة. صورة لأبويا وهو شاب. واقف قدام البيت القديم. وبجانبه رجل ماعرفتوش. قلبت الصورة من الخلف. وكان مكتوب بخط يد واضح لو حصل لي حاجة، ابحثوا عن الرجل اللي واقف جنبي لأنه الوحيد اللي يعرف الحقيقة. رفعت عيني لكريم. مين الراجل ده؟ كريم أخذ الصورة. وبمجرد ما شافها وشه اتغير. قلت إنت تعرفه؟ فضل ساكت. كريم! قال أيوه. مين؟ بص للصورة مرة تانية. وبصوت منخفض قال ده الشخص اللي كان آخر واحد مع أبوكي قبل ما يختفي. اتسعت عيني. وإنت عرفت منين؟ ما ردش. وفي نفس اللحظة وصلنا أمام البيت. نزلنا. كان الباب الخارجي مقفول. طلعت المفتاح. دخلته في القفل. لكن قبل ما ألفه سمعنا صوت حركة من جوه البيت. كلنا اتجمدنا. وبعد ثواني صوت خطوات بدأ يقرب من الباب. خطوة ثم خطوة ثم خطوة. بصيت لكريم. هو أشار لنا نسكت. وفجأة المقبض اتحرك من الناحية التانية. حد كان جوه. والأغرب إن البيت ده كان المفروض مقفول من أكتر من عشر سنين الباب اللي كان مقفول عشر سنين فضلنا واقفين قدام الباب من غير ما حد يتكلم. المقبض اتحرك مرة تانية. المرة دي بعنف أكتر. كريم حط إيده على كتفي وقال بصوت واطي ارجعي ورايا. رجعت خطوتين. خالتي كانت ماسكة إيدي، وحماتي واقفة جنب العربية ووشها شاحب. فجأة الصوت من جوه اختفى. سكون تام. كريم قرب من الباب وحط ودنه عليه. وبعد ثواني قال مفيش صوت. قلت إزاي؟ إحنا سمعنا حد. مد إيده للمفتاح. وقبل ما يدخله في القفل، الباب اتفتح لوحده. اتراجعنا كلنا. الهواء البارد خرج من جوه البيت، ومعاه ريحة تراب ورطوبة. كريم دخل الأول. استنوا هنا. قلت لأ، أنا داخلة. دخلنا كلنا. البيت كان مظلم، رغم إن الساعة لمحة نيوز كانت لسه الصبح. الشبابيك مقفولة، والستائر القديمة متعلقة زي ما هي. على الحيطان صور عائلية قديمة. وأنا ماشية، عيني وقعت على صورة كبيرة لجدي وجدتي. وقفت. لكن اللي شد انتباهي مش الصورة. كان فيه مكان فاضي واضح على الحائط، كأن صورة كانت متعلقة واتشالت قريب. قلت حد كان هنا. كريم بص للمكان. ليه؟ قلت التراب على الحيطة قديم لكن المكان ده نضيف. قربت منه. كان فيه أثر مستطيل واضح. حد شال الصورة مؤخرًا. خالتي قالت يمكن أبوكي. لفيت لها. أبويا كان هنا؟ ما ردتش. قلت خالتي، كفاية أسرار. سكتت. وبعدين قالت أبوكي كان بيرجع البيت ده من فترة. اتصدمت. وإنتِ عارفة وساكتة؟ كان طالب مني ماقولش. ليه؟ قالت لأنه كان خايف إن حد يراقبه. كريم فجأة قال نحتاج نلاقي الصندوق. دخلنا غرفة قديمة في آخر الممر. كانت مليانة أثاث مغطى بملايات بيضا. بصينا تحت الترابيزة، داخل الأدراج، ورا الدولاب. مفيش حاجة. لحد ما لاحظت حاجة غريبة. جزء من السجادة كان متني. قربت منه. شلت السجادة. ولقيت حلقة حديد صغيرة في الأرض. ناديت كريم. هنا! جاء بسرعة. شد الحلقة. واتفتح جزء من الأرض. كان فيه درج صغير نازل لتحت. نزلنا. المكان كان ضيق جدًا. لكن في آخره كان فيه صندوق خشب قديم. وعليه قفل صغير. طلعت المفتاح. دخلته. لف مرة. مرتين. لكن القفل ما فتحش. قلت المفتاح مش بتاعه. كريم أخد المفتاح وبص عليه. لأ، هو بتاعه. جرب تاني. القفل اتحرك. صدر صوت طقطقة. وبعدين فتح. رفعت الغطاء ببطء. الصندوق كان فيه أوراق قديمة، وصور، ودفتر أسود. مديت إيدي للدفتر. لكن قبل ما ألمسه، خالتي صرخت استني! وقفت. قالت الأول شوفي الورقة اللي فوق. كانت فيه ورقة مطوية ومحطوطة لوحدها. فتحتها. كان مكتوب إلى ندى لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي. إيدي بدأت ترتعش. كملت القراءة أنا ما اختفيتش بإرادتي. بصيت لكريم. وبعدين كملت. والشخص اللي لازم تخافي منه مش هو الشخص اللي في الصورة. سكت. قلبي بدأ يدق بسرعة. لأن الصورة كانت بتشير لشخص معين. لكن الرسالة بتقول إن الخطر من شخص تاني. قلبت الورقة. وكان فيه سطر أخير ثقي في كريم لكن ما تثقيش في أي حد من العيلة. رفعت عيني ببطء. كل الموجودين كانوا واقفين قدامي. كريم. خالتي. حماتي. وفجأة سمعنا صوت باب البيت الخارجي بيتقفل بقوة. ثم صوت مفتاح بيتحرك في القفل. حد كان دخل البيت. والمرة دي ماكانش لوحده. سمعنا صوتين بيتكلموا من فوق. واحد منهم قال فتشوا البيت كله. والصوت التاني رد لو الصندوق هنا، لازم نلاقيه قبل ما تخرج. بصيت لكريم. وهو أشار لنا نسكت. ثم همس محدش يتحرك. لكن وأنا بحاول أرجع خطوة رجلي خبطت في الصندوق. وطلع منه صوت خشخشة. سكت كل شيء فوق. ثم جاء صوت من أعلى السلم سمعت حاجة تحت. بدأت خطوات تنزل. خطوة ثم خطوة ثم خطوة وأنا واقفة في القبو، وإيدي على الدفتر الأسود، ولسه ماعرفتش إيه السر اللي أبويا خبّاه جواه الدفتر الأسود الخطوات كانت بتقرب. واحدة ورا التانية. كريم بص لنا، وأشار بإيده ناحية الركن الضيق في آخر القبو. همس بسرعة هناك. اتحركنا كلنا من غير صوت. أنا كنت ماسكة الدفتر الأسود، وحاضناه لصدرى كأنه آخر حاجة ممكن توصلني لأبويا. نزل شخص لآخر السلم. وقف لحظة. وبعدين قال المكان فاضي. سمعنا صوت شخص تاني من فوق فتش كويس. بدأت خطواته تتحرك في القبو. وأنا كنت بحبس نفسي بالعافية. وفجأة سمعت صوت خشب بيتكسر. الرجل كان بيقلب الصناديق القديمة. قرب أكتر. وبقى بيننا وبين المكان اللي مستخبيين فيه أقل من مترين. كريم قرب من أذني وقال لما أقولك اجري، تجري على الباب الخلفي. هزيت راسي. لكن قبل ما يقول أي حاجة سمعنا صوت عربية برا. وبعدها صوت فرامل قوية. الشخص اللي في القبو وقف. قال حد وصل. الرجل التاني رد مين؟ معرفش. وفجأة الاتنين طلعوا بسرعة على السلم. استنينا ثواني. كريم خرج من مكانه وبص للسلم. قال دلوقتي. طلعنا بسرعة. لكن بمجرد ما وصلنا الدور الأرضي سمعنا الباب الخارجي بيتفتح. دخل راجل لابس جاكت غامق. وقف أول ما شافنا. بص لكريم. وبعدين بص لي. وقال ندى؟ قلبي اتقبض. إنت مين؟ بص للدفتر اللي في إيدي. وشه اتغير. وقال يبقى لقيتوه. كريم وقف قدامي. إنت كنت بتدور عليه؟ الرجل ما ردش. خالتي قالت فجأة أنا عارفاك. بص لها. قال وأنا كنت عارف إنك هتكوني هنا. سألته تعرف أبويا؟ هز راسه. أكتر مما تتخيلي. قربت منه. هو فين؟ سكت. أبويا فين؟ قال لو عايزة تعرفي، لازم تسمعيني للآخر. كريم قال اتكلم. الرجل بص له باستغراب. إنت لسه هنا؟ كريم رد أيوه. قال الرجل يبقى أبوكي كان عنده حق. اتوترت. حق في إيه؟ مد إيده ناحية الدفتر. الدفتر ده مش مجرد مذكرات. قلت عارف. لأ، إنتِ مش عارفة. فتح الدفتر من إيدي، وقلب أول كام صفحة. وبعدين وقف عند صفحة معينة. حط صباعه عليها. وقال هنا الحقيقة بدأت. بصيت للصفحة. كانت مليانة أسماء وتواريخ ومبالغ. وفي آخر الصفحة اسم أبويا. وتحته اسم حماتي. رفعت عيني لها. كانت واقفة في مكانها، مش بتتحرك. قلت إنتِ ليكي علاقة بالموضوع؟ حماتي ما ردتش. الرجل قال هي مش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنه سبب كل ده. بصيت له. يعني إيه؟ قال أم كريم كانت بتحاول تحمي أبوكي. اتصدمت. بصيت لحماتي. هي أخيرًا قالت أنا وعدت أبوكي إني ما أقولكيش حاجة إلا لما تكوني متجوزة كريم. سألتها ليه؟ قالت لأن الموضوع كان متعلق بيكي إنتِ. اتجمدت. بيا أنا؟ هزت راسها. أيوه. قربت منها. إيه علاقتي بكل ده؟ سكتت لحظة. ثم قالت قبل فرحك بيوم، أبوكي عرف إن الورق اللي كان بيدور عليه اتنقل من مكانه. الرجل قاطعها واتنقل بسبب شخص قريب جدًا منكم. سألت مين؟ الرجل بص لكريم. ثم بص لخالتي. وبعدين قال الشخص ده كان موجود في فرحك طول الوقت. قلبي دق بعنف. قلت مين؟ لكنه ما جاوبش. بدل كده، أخرج من جيبه هاتفًا قديمًا، وشغّل تسجيلًا صوتيًا. صوت أبويا ظهر من السماعة. كان صوته متوترًا. قال لو ندى سمعت التسجيل ده، يبقى لازم تعرف إن... وفجأة التسجيل انقطع. الرجل بص لي. الجزء ده هو اللي اتشال. صرخت اتشال إزاي؟! قال لأن الشخص اللي كان مع أبوكي وقتها أخد آخر دقيقة من التسجيل. سألته ومين الشخص ده؟ الرجل فتح فمه عشان يرد. لكن قبل ما يتكلم رن هاتف كريم. كريم بص للشاشة. وشه شحب. قلت مين؟ ما ردش. أخد خطوة بعيد عننا، ورد. وسمعنا صوت امرأة من الناحية التانية بتقول كريم ما تقولهاش الحقيقة دلوقتي. كريم سكت. وبعدين قال أمي؟ حماتي غطت وشها بإيديها. أنا بصيت لها. ثم بصيت لكريم. وقلت إنتوا الاتنين بتخفوا عني إيه؟ وقبل ما حد يرد الهاتف وقع من إيد كريم. لأن صوت المرأة في الطرف الآخر قال جملة واحدة فقط ندى لازم تعرف إن أبوها كان عارف إن حد من عيلتها هيحاول يمنعها من الوصول للصندوق. ثم انقطع الاتصال. سادت لحظة صمت ثقيلة. أنا بصيت للدفتر الأسود. وبعدين بدأت أقلب صفحاته بسرعة. وفي آخر صفحة لقيت ورقة صغيرة مثبتة بدبوس. فتحتها. كان مكتوب فيها الشخص الذي تبحثين عنه ليس خارج البيت إنه أقرب إليك مما تتخيلين. رفعت عيني ببطء. وفي نفس اللحظة سمعنا صوت مفتاح بيدخل في باب البيت من الخارج. لكن المرة دي أنا كنت متأكدة إن الشخص اللي داخل هو واحد من الناس اللي أعرفهم الشخص اللي دخل البيت المفتاح لف في الباب ببطء. صوت المعدن وهو بيتحرك في القفل كان واضح جدًا وسط الصمت. كريم بص لي. حماتي قربت من خالتي. أما الرجل الغريب فكان واقف جنب الحائط، مركز عينيه على الباب. قلت بصوت منخفض مين؟ محدش رد. الباب اتفتح. ودخل عمي فؤاد. أخو أبويا. وقفت مكاني. عمي؟ بص لي بابتسامة متوترة. ندى إنتِ هنا؟ سألته إنت بتعمل إيه هنا؟ قال كنت جاي أطمن على البيت. بصيت للدفتر اللي في إيدي. ثم للمفتاح. ثم له. البيت ده مقفول من سنين. عرفت منين إننا هنا؟ سكت. وبعدين قال خالتك اتصلت بيا. بصيت لخالتي. هزت راسها بسرعة أنا ما اتصلتش بيه. وش عمي اتغير. كريم تقدم خطوة. يبقى عرفت منين؟ عمي ما ردش. الرجل الغريب قال لأنه كان بيراقب البيت من الصبح. عمي لف له بعصبية وإنت مالك؟ الرجل رد بهدوء أنا مالي من زمان. بصيت لعمي. إنت تعرف الراجل ده؟ قال لأ. لكن الرجل ضحك. دي أول كذبة. سكت الجميع. عمي قرب مني. ندى، اسمعيني. لازم تمشي من هنا فورًا. قلت ليه؟ المكان مش آمن. مين اللي مش آمن؟ أنا مش عايز أخوفك. صرخت أنا مش خايفة! أنا عايزة أعرف أبويا فين! عمي سكت. وكان سكوته كفاية. قربت منه. إنت عارف. هز رأسه. أعرف جزء من الحقيقة. أبويا فين؟ مش هنا. عايش؟ رفع عينه لي. ولأول مرة شفت الدموع في عينيه. قال آخر مرة شفته فيها كان عايش. شهقت. آخر مرة؟ كريم قال يعني إنت شفته؟ عمي بص له. أيوه. قلت إمتى؟ قبل الفرح بيوم. اتسعت عيني. ليه ما قلتليش؟ أبوكي طلب مني. طلب منك إيه؟ قال قال لي لو اختفى، ما أقولكيش حاجة إلا لما تلاقي الصندوق. بصيت للدفتر. والصندوق لقيته. قال يبقى خلاص لازم تعرفي. قرب مني. لكن الرجل الغريب وقف بيننا. مش هنا. عمي غضب إنت مالك؟ قال المكان مراقب. فجأة سمعنا صوت سيارة وقفت قدام البيت. وبعدها صوت باب بيتقفل. الرجل الغريب بص من الشباك. وشه اتغير. قال لازم نخرج حالًا. سألت مين؟ قال الناس اللي كانوا بيدوروا على الصندوق. كريم قال هما وصلوا؟ الرجل هز راسه. أيوه. عمي قال يبقى اتأخرنا. وبسرعة، مسك الدفتر من إيدي. لكن قبل ما أخليه ياخده، شددته منه. قلت لأ. قال ندى، الدفتر ده ممكن يعرّضك للخطر. أنا أصلًا بقيت في خطر من ساعة ما أبويا اختفى. سكت. ثم قال طيب افتحي الصفحة الأخيرة. قلت قريتها. لأ. افتحيها كلها. فتحت الصفحة. كان فيها جدول صغير، وتحته أربعة أسماء. الأول أبويا. الثاني عمي فؤاد. الثالث حماتي. والرابع توقفت. لأن الاسم الرابع كان كريم. رفعت عيني له. هو شحب. قلت ليه اسمك مكتوب هنا؟ كريم ما ردش. كررت كريم إنت كنت جزء من اللي أبويا كان بيحاول يكتشفه؟ قال لأ. أمال اسمك موجود ليه؟ فتح فمه، لكنه ما لحقش يجاوب. لأن من بره سمعنا صوت زجاج بيتكسر. ثم صوت رجل بيصرخ فتشوا كل الأوض! حماتي شهقت. خالتي قالت خلاص عرفوا إن الصندوق اتفتح. الرجل الغريب أشار للباب الخلفي. من هنا. بدأنا نتحرك بسرعة. لكن وأنا خارجة، رجعت خطوة. وقلت استنوا. كلهم بصوا لي. أشرت للدفتر. فيه حاجة ناقصة. كريم قال إيه؟ قلت الصفحة اللي عليها اسمك. بصيت للدفتر. الصفحة اختفت. مكانها كان فاضي. وفي اللحظة دي فهمت إن حد كان معانا في القبو، أو دخل قبله بوقت قصير، وشال الصفحة من الدفتر. والأخطر إن الشخص ده كان عارف بالضبط إحنا بندور على إيه. خرجنا من الباب الخلفي، وجريْنا ناحية العربية. لكن قبل ما أركب سمعت صوتًا من داخل البيت. صوت أعرفه جيدًا. صوت أبويا. كان بيقول ندى ما تثقيش في كريم. وقفت مكاني. بصيت للبيت. ثم لكريم. وكانت الصدمة الأكبر إن كريم نفسه كان واقف جنبي وسمع الصوت الصوت اللي قلب كل حاجة فضلنا واقفين قدام البيت كأن الزمن توقف. صوت أبويا كان لسه بيرن في ودني ندى ما تثقيش في كريم. بصيت لكريم. كان واقف قدامي، وشه شاحب، وعينيه ثابتة ناحية البيت. قلت إنت سمعت؟ هز راسه ببطء. أيوه. يبقى مين كان جوه؟ ما ردش. الرجل الغريب شدني من إيدي وقال لازم نمشي دلوقتي. سحبت إيدي. لأ. ندى! مش همشي قبل ما أعرف أبويا فين. عمي فؤاد قرب مني وقال أبوكي مش جوه البيت. أمال صوته كان جاي منين؟ سكت. بصيت له. عمي إنت كنت عارف إن فيه تسجيل؟ قال أيوه. وليه مخبي؟ لأن التسجيل ده مش تسجيل واحد. استغربت. يعني إيه؟ قال أبوكي سجل أكتر من رسالة. حماتي قالت بسرعة فؤاد، كفاية. لفيت لها. لأ، مش كفاية. وبصيت للجميع. أنا طول عمري آخر واحدة تعرف كل حاجة. النهارده مش هسكت. كريم قرب مني. ندى، اسمعيني رجعت خطوة. متقربش. وقف مكانه. كانت أول مرة أشوف في عينيه خوف حقيقي. مش خوف من اللي بيحصل لكن خوف من إني أكتشف حاجة معينة. قلت بابا قال ما أثقش فيك. رد بهدوء وأنا عارف ليه قال كده. اتصدمت. عارف ليه؟ أيوه. قول. سكت لحظة. ثم قال لأن أبوكي كان فاكر إني خبيت عنك حاجة. وخبيت؟ قال أيوه. قلبي اتقبض. إيه؟ كريم بص لأمه. حماتي هزت راسها كأنها بتقول له خلاص. قال قبل ما أتجوزك، أبوكي طلب مني حاجة. إيه؟ طلب مني أراقب شخص قريب منك. مين؟ قال الشخص اللي كان بيسرق منه الأوراق. بصيت لعمي. ثم لخالتي. ثم لحماتي. ومين الشخص ده؟ كريم قال ماعرفتش اسمه. بتكدب. والله ما بكذب. أمال ليه بابا قال ما أثقش فيك؟ قال لأنه كان فاكر إني وصلت للشخص ده. ووصلت؟ سكت. ثم قال أيوه. سألته مين؟ قبل ما يرد، دوّى صوت قوي من داخل البيت. كلنا اتخضينا. الرجل الغريب قال لازم نتحرك. ركبنا العربية. كريم قاد بسرعة، وأنا قعدت جنبه في الخلف مع خالتي. حماتي وعمي قعدوا قدام. طوال الطريق، محدش اتكلم. لكن بعد حوالي عشر دقائق، موبايل خالتي رن. بصت للشاشة. رقم مجهول. رفضت المكالمة. بعد ثواني رن تاني. ثم مرة ثالثة. قالت مش هرد. قلت ردي. بصت لي. ليه؟ يمكن يكون بابا. ردت. مفيش صوت. وبعدين جاء تسجيل آلي عندك رسالة جديدة. ضغطت خالتي على السماعة. وسمعنا صوت أبويا. المرة دي كان أوضح. قال ندى لو سمعتي الرسالة دي، يبقى وصلتِ للصندوق. سكت ثواني. ثم قال أنا طلبت من كريم يحميكي، مش يأذيكي. بصيت لكريم. هو كان مركز في الطريق. أبويا كمل لكن فيه حاجة كريم نفسه ما يعرفهاش ثم انقطع التسجيل. شهقت. إيه الحاجة؟ مفيش رد. التسجيل انتهى. كريم وقف العربية فجأة على جنب الطريق. لف لنا وقال لازم أقولكم حاجة قبل ما نكمل. قلت قول. قال أبوكي كان شاكك إن حد هيحاول يمنع جوازنا. استغربت. يمنع جوازنا؟ ليه؟ قال لأن جوازنا كان مرتبط بمشكلة قديمة في العيلة. إيه المشكلة؟ قال ملكية الأرض. سكت. ثم أضاف والأرض دي مش مجرد أرض. قلت أمال إيه؟ بص لي مباشرة. تحتها حاجة مدفونة من زمان. اتسعت عيني. إيه؟ قال أبوكي كان بيدور عليها قبل ما يختفي. عمي فؤاد قال فجأة خلاص، لازم تعرفي الحقيقة كلها. بصيت له. قول. أخذ نفسًا عميقًا. جدك كان سايب وصية. وصية؟ أيوه. فين؟ قال عند أبوكي. قلت وأبويا اختفى عشان الوصية؟ عمي هز راسه. لأ. سألته أمال ليه؟ نظر لي طويلاً. ثم قال لأن الوصية فيها اسم الشخص اللي له الحق الحقيقي في الأرض. سكت لحظة. ثم أضاف والاسم ده كان اسمًا لم أتوقعه أبدًا الاسم اللي محدش كان مستعد يسمعه عمي سكت. أنا بصيت له وأنا مستنية يكمل. والاسم ده مين؟ عمي فتح فمه، لكن قبل ما ينطق، حماتي قالت فؤاد، لأ. لفيت لها بعصبية لأ إيه؟! قالت مش هنا. كل مرة تقولوا مش هنا! طب إمتى؟ لما أبويا يرجع؟ ولا لما يختفي أكتر؟! كريم بص لي وقال ندى، لازم نرجع البيت الأول. قلت لا. ليه؟ لأنكم بتخبوا عني حاجة. سكت. قلت وأنا مش هتحرك خطوة قبل ما أعرف الاسم. عمي أخد نفس طويل وقال الاسم المكتوب في الوصية هو وتوقف. بص ناحية كريم. أنا اتوترت. هو إيه؟ عمي قال اسمك إنتِ يا ندى. حسيت إن الكلام اتقال بلغة مش فاهمها. اسمي؟ هز راسه. أيوه. ضحكت من الصدمة. يعني إيه اسمي؟ أنا مالي بالأرض؟ قال جدك كتب إن ملكية الأرض تنتقل ليكي لما تتجوزي. سكت. وبعدين قلت تتجوز مين؟ عمي ما ردش. كريم قال أي حد. بصيت له. متأكد؟ هز راسه. أيوه. قلت يبقى إيه علاقة جوازي بيك؟ سكت. هنا حماتي قالت لأن أبوكي كان عايز يحميكي من ناس كانوا مستنيين الورق يظهر. سألتها وإنتِ كنتِ بتساعديه؟ أيوه. وكريم؟ قالت كريم كان جزء من خطة الحماية. بصيت لكريم. وإنت كنت عارف إن اسمي في الوصية؟ قال عرفت قبل الفرح بأسبوع. اتصدمت. أسبوع كامل وإنت ساكت؟ قال أبوكي طلب مني. ليه؟ عشان لو عرفتي، كنتِ ممكن تخافي وتلغِي الجواز. سكت لحظة. ثم أضاف وكان ده بالضبط اللي الناس اللي بتراقبنا عايزينه. قلت مين الناس دي؟ ما حدش رد. فجأة، عمي قال الشخص اللي أخد الصفحة من الدفتر. بصيت له. إنت عارف مين هو؟ هز راسه. أيوه. مين؟ قال حد كان قريب من أبوكي جدًا. قريب قد إيه؟ قريب لدرجة إن أبوكي كان بيثق فيه أكتر من نفسه. قلبي دق بسرعة. يعني من العيلة؟ عمي سكت. قول. قال أيوه. نظرت لكل واحد في العربية. حماتي كانت باصة للشباك. خالتي كانت بتعيط في صمت. كريم كان ماسك عجلة القيادة بقوة. قلت مين؟ عمي قال مش هقولك دلوقتي. صرخت ليه؟! لأن لو عرفتي الاسم قبل ما نلاقي أبوكي، ممكن الشخص ده يعرف إننا وصلنا له. قلت بس إنت قلت إن أبويا عايش. عمي بص لي. قلت آخر مرة شفته كان عايش. الجملة دي خوفتني. قلت وإنت شفته فين؟ قال في مكان محدش يعرفه غيري. فين؟ هقولك لما نوصل. كريم بدأ يتحرك بالعربية. لكن بعد دقائق، لاحظت إننا مش رايحين بيتنا. قلت إحنا رايحين فين؟ كريم قال مكان آمن. مين قالك؟ أبوكي. اتوترت. أبويا قالك توديني فين؟ أيوه. وإنت كنت بتكلمه إمتى؟ سكت. كريم؟ قال قبل ما يختفي بساعات. بصيت له. يعني أبويا كان عارف إنه هيختفي؟ ما ردش. وفجأة هاتفه رن. بص للشاشة. ثم قفله. قلت مين؟ قال رقم مجهول. بعد ثواني، وصلت له رسالة. كريم فتحها. وشه اتغير. مديت إيدي وريني. رفض. ندى وريني! أداني الهاتف. كانت الرسالة قصيرة جدًا لو أخدتها للمكان القديم، هتخسرها زي ما خسرت أبوها. رفعت عيني لكريم. المكان القديم؟ قال مش أنا اللي بختار المكان. سألته أمال مين؟ قبل ما يرد، العربية اهتزت فجأة. كريم فقد السيطرة للحظة. صرخ اربطوا الأحزمة! العربية انحرفت ناحية جانب الطريق، لكنه قدر يسيطر عليها. نزلنا بسرعة. كان فيه مسمار معدني كبير مغروس في أحد الإطارات. بصينا لبعض. عمي قال دي مش صدفة. حماتي همست هما عرفوا مكاننا. وفي اللحظة دي جالي إشعار على موبايلي. رقم مجهول. فتحت الرسالة. كانت صورة. صورة لأبويا. واقف في مكان مظلم. وتحت الصورة جملة واحدة أبوكي عايش لكن لو عايزة تشوفيه، لازم ترجعي لوحدك لبيت جدك قبل منتصف الليل. رفعت عيني. وكان الوقت 1117 مساءً.قبل منتصف الليل بصيت للساعة مرة تانية. 1117. حسيت إن الوقت بيجري أسرع من قدرتي على التفكير. قلت لازم أرجع بيت جدي. كريم رد فورًا مستحيل. ليه؟ لأن دي ممكن تكون خدعة. والصورة؟ دي صورة بابا! قال الصورة ممكن تكون قديمة. مسكت الموبايل ووريتها له. بص كويس. كريم أخد الموبايل. وبمجرد ما شاف الصورة، سكت. سألته إيه؟ قال الصورة دي اتصورت النهارده. عرفت منين؟ أشار لركن صغير في الصورة. الساعة اللي على الحيطة. بصيت. كانت الساعة تشير إلى 1042. قلت يعني بابا كان هناك من أقل من ساعة. عمي فؤاد قال يبقى لسه عندهم. قلت لازم نروح. كريم هز راسه. هنروح. استغربت. من شوية كنت رافض. قال لأنك كنتي هتروحي لوحدك. ثم بص لعمي. بس مش هنسيبها. ركبنا العربية تاني. كريم اتصل بشخص، وقال له محتاجك تراقب الطريق من بعيد. من غير ما حد يحس. قفلت الخط. سألته مين ده؟ قال واحد من رجال الأمن اللي كان أبوكي موصي بيه. لم أجادله. كل دقيقة كانت بتعدي كأنها ساعة. 1132. وصلنا قريب من البيت القديم. كريم طفى الأنوار قبل ما ندخل الشارع. قال هننزل هنا. قلت ليه؟ لو حد بيراقب البيت، لازم يفتكر إننا لسه بعيد. مشينا على أقدامنا. الشارع كان هادي جدًا. لكن كل ما قربنا، كان عندي إحساس غريب إن حد بيراقبنا. وصلنا للبوابة. المرة دي كانت مفتوحة. قلت كانت مقفولة. عمي قال أيوه. دخلنا. الباب الرئيسي كان مفتوح هو كمان. كريم وقف. محدش يتحرك. دخل الأول. وبعد ثواني أشار لنا. دخلنا. البيت كان مظلم. لكن في آخر الممر كان فيه نور طالع من غرفة أبي القديمة. اتحركنا ناحية الغرفة. قلبي كان بيخبط. فتحت الباب. مفيش حد. لكن على المكتب كان فيه ظرف جديد. مكتوب عليه ندى. قربت منه. كريم قال استني. لكنني كنت أسرع. فتحت الظرف. كان جواه مفتاح سيارة. ومعاه ورقة. قرأت لو عايزة توصلي لأبوكي، خدي العربية اللي مفتاحها معاكِ، وروحي للمكان المكتوب في ظهر المفتاح. قلبت المفتاح. كان عليه رقم صغير محفور 27 قلت يعني إيه 27؟ عمي بص للمفتاح. وفجأة قال أنا عارف. فين؟ قال مخزن رقم 27 في محطة القطار القديمة. كريم قال المكان ده مهجور. قلت يبقى نروح. خرجنا من الغرفة. لكن قبل ما نخرج من البيت، سمعت صوتًا. صوت خبط خفيف من تحت الأرض. مرة. مرتين. ثلاث مرات. وقفت. استنوا. كريم قال إيه؟ حطيت إيدي على الحائط. الصوت كان جاي من مكان قريب. خبطت بإيدي على الحائط. جاء الرد ثلاث خبطات. قلبي اتوقف. قلت حد جوه. كريم قرب. خبط مرتين. جاء الرد مرتين. عمي اتراجع. مستحيل. بصيت له. إيه؟ قال بصوت مرتجف الطريقة دي أبوكي كان بيستخدمها زمان. قربنا من الحائط. كريم بدأ يدور على أي فتحة. وفجأة لاحظ بلاطة خشبية صغيرة تحت السلم. شالها. ظهر خلفها باب صغير. المفتاح ماكانش معانا. لكن الباب كان غير مقفول. فتحناه. نزلنا سلالم ضيقة. وفي آخر السلم كان فيه شخص قاعد على كرسي. إيده مقيدة. ورأسه منحني. رفعت إيدي على فمي. لأنني عرفت القميص قبل ما أشوف وشه. كان نفس القميص اللي شفت أبويا لابسه في الصورة. قلت بصوت مرتعش بابا؟ الشخص رفع رأسه ببطء. وكان فعلًا أبويا. لكنه أول ما شافني، قال ندى ما تقربيش. وقبل ما أسأله ليه سمعنا صوت باب بيتقفل فوقنا. ثم صوت خطوات تنزل السلم. أبويا بص ناحية السلم وقال وصلوا. كريم وقف قدامي. وسأل مين؟ أبويا رد الشخص اللي أخد الصندوق. ثم نظر إليّ وقال والشخص ده أنا عارفه من زمان الشخص اللي كان أبويا بيحذرني منه ثبتُّ مكاني. بصيت لأبويا، وبعدين للسلم. صوت الخطوات كان بيقرب. قلت بابا مين اللي جاي؟ أبويا حاول يقوم من على الكرسي، لكن إيده كانت مربوطة. كريم جري عليه وفك القيد بسرعة. أبويا أول ما وقف، مسك كتفي وقال اسمعيني كويس يا ندى مهما حصل، ما تخرجيش من هنا مع أي حد. قلت طب مين اللي عمل فيك كده؟ أبويا بص ناحية السلم. الشخص اللي كنت بحذرك منه. مين؟ قبل ما يرد، ظهر ظل شخص عند آخر السلم. كريم وقف قدامنا. والرجل الغريب اللي كان معانا رفع إيده وقال محدش يتحرك. لكن الشخص اللي فوق قال أنا مش جاي أؤذي حد. صوته كان مألوف. أبويا تجمد. ثم قال فؤاد؟ رفعت عيني ناحية عمي. كان واقف فوق السلم. وشه متغير. قال أيوه. أنا اتصدمت. عمي؟! أبويا قال إنت اللي وصلت لهم؟ عمي نزل درجة. أنا اللي وصلت للمكان، لكن مش أنا اللي خطفتك. أبويا قال مين إذن؟ عمي سكت. أنا قربت من أبويا. بابا، قولي الحقيقة. بص لي طويلاً. ثم قال كل اللي حصل بدأ قبل فرحك بأيام. ليه؟ لأن حد عرف إن الوصية هتظهر بعد جوازك. قلت مين؟ قال الشخص اللي كان عايز يوصل للأرض. عمي؟ أبويا هز راسه. لا. بصيت لعمي. عمي قال أنا حاولت أحمي أخوك. اتصدمت. أخويا؟ أبويا قاطع بسرعة ندى، استني. قلت أنا عندي أخ؟ الصمت نزل علينا. حتى كريم بص لأبويا بصدمة. أبويا أخد نفسًا عميقًا. كان عندك أخ. حسيت الدنيا بتلف. كان؟ أبويا قال اختفى من سنين. سألته إزاي؟ قبل ما تتولدي. وإنت عمرك ما قلت لي؟ لأننا كنا فاكرين إن الموضوع انتهى. قلت إيه علاقة أخويا بالصندوق؟ أبويا بص للدفتر. أخوكي هو السبب اللي خلاني أبدأ أدور على الحقيقة من الأساس. قلت أنا مش فاهمة. أبويا قال لما كنت صغير، كان فيه ملف قديم عن العيلة. الملف اختفى بعد حادثة اختفاء أخوكي. عمي قال والملف رجع يظهر من سنتين. قلت فين؟ أبويا أشار ناحية الدفتر. جوه الصندوق. فتحت الدفتر بسرعة. بدأت أقلب الصفحات. لكن الصفحة اللي كان عليها اسم كريم ما زالت مفقودة. قلت الصفحة دي اتشالت. أبويا بص لكريم. إنت أخدتها؟ كريم هز راسه. لأ. أبويا قال يبقى الشخص اللي أخدها كان عايز يخفي حاجة. وفجأة سمعنا صوت ضوضاء فوق. الرجل الغريب قال لازم نطلع. لكن أبويا أمسك إيدي. لأ. ليه؟ قال لأن اللي فوق مش جايين يدوروا على الصندوق. سألته أمال جايين ليه؟ نظر لي مباشرة. جايين ياخدوكي إنتِ. اتجمدت. كريم قال مستحيل. أبويا رد أنا كنت متوقع ده. عمي نزل بسرعة. لازم نخرج من الباب الخلفي. لكن أبويا هز راسه. الباب الخلفي مقفول. قلت طب نعمل إيه؟ أبويا أشار ناحية الجدار. فيه مخرج تاني. كريم قرب. فين؟ أبويا قال ورا المكتبة. طلعنا بسرعة. كريم دفع المكتبة. تحركت بصعوبة، وظهر باب ضيق. لكن قبل ما نفتحه سمعنا صوت شخص من فوق بيقول ندى! تجمدت. الصوت كان صوت امرأة. وصوتها مألوف جدًا. أبويا بص لي. وقال دلوقتي فهمتي ليه كنت بخبي عنك كل حاجة؟ قلت مين دي؟ أبويا ما ردش. لكن حماتي، اللي كانت واقفة خلفنا، بدأت تبكي. بصيت لها. إنتِ تعرفي الصوت؟ هزت رأسها. وقالت أيوه. سألتها مين؟ قالت الشخص الوحيد اللي أبوكي كان واثق إنه مش هيقدر يأذيكي ثم توقفت. وصوت المرأة فوق نادى مرة تانية ندى أنا عارفة إنك تحت. أبويا شد على إيدي. وقال ما ترديش عليها. لكنني كنت بدأت أتعرف على صوتها. لأنني سمعته آلاف المرات في حياتي. ثم ظهر ظلها عند باب الغرفة. وأول ما دخلت عرفتها. كانت خالتي. لكن المفاجأة لم تكن إنها وصلت للمكان. المفاجأة كانت في الشيء اللي كانت ماسكاه في إيدها صفحة الدفتر المفقودة الصفحة المفقودة فضلت باصة لخالتي وأنا مش مستوعبة. كانت واقفة عند مدخل الغرفة، والصفحة المفقودة في إيدها. قلت إنتِ؟! خالتي ما ردتش. بصيت لأبويا. كان وشه مليان صدمة، كأنه هو نفسه ماكانش متوقع إنها تكون هي. قال إنتِ وصلتي لهم؟ خالتي هزت راسها. أنا ما وصلتش لحد. عمي فؤاد قال بغضب أمال الصفحة في إيدك جات لك إزاي؟ بصت له وقالت لقيتها. قلت فين؟ سكتت. قربت منها. خالتي، أنا عايزة الحقيقة. قالت الحقيقة إن الصفحة دي أخطر من كل اللي في الصندوق. مدت إيدها بالصفحة. لكن أبويا قال ندى، ما تاخديهاش. بصيت له. ليه؟ لأنك لسه مش جاهزة تعرفي اللي فيها. قلت بغضب بعد كل اللي حصل، لسه بتقول لي مش جاهزة؟ سكت. أخدت الصفحة من إيد خالتي. كانت فيها أسماء وتواريخ. في منتصف الصفحة كان فيه سطر مكتوب بخط أبويا الاسم الحقيقي للوريث ليس ندى. اتجمدت. قريت السطر مرة تانية. وبعدين بصيت لأبويا. يعني إيه؟ أبويا قال كملي. نزلت عيني للصفحة. تحت السطر كان مكتوب ندى هي المفتاح فقط. قلبي دق بسرعة. مفتاح لإيه؟ أبويا سكت. خالتي قالت لحق قديم. قلت حق مين؟ عمي فؤاد رد حق أخوكي. رفعت عيني له. أخويا اللي قلتوا إنه اختفى؟ هز راسه. أيوه. قلت بس إنتوا قلتوا إنه اختفى وهو صغير. أبويا قال وده اللي كنا فاكرينه. سكت لحظة. ثم أضاف لحد ما لقينا دليل إنه ممكن يكون عايش. حسيت إني مش قادرة أتنفس. عايش؟ أبويا هز راسه. احتمال كبير. قلت فين؟ ما ردش. بصيت لخالتي. وإنتِ عارفة؟ قالت عرفت من فترة قصيرة. وعشان كده كنتي بتدوري على الصندوق؟ أيوه. كريم فجأة قال بس في حاجة مش منطقية. كلنا بصينا له. قال لو أخو ندى هو الوريث الحقيقي، ليه الوصية مكتوب فيها إن ندى لازم تتجوز عشان تستلم الأرض؟ أبويا رد لأن الوصية الأصلية ما كانتش كده. كريم اتصدم. يعني إيه؟ أبويا قال حد غيّر الوصية. سألت مين؟ أبويا قال الشخص اللي سرق النسخة الأصلية. صمتنا. وفجأة خالتي قالت وأنا عرفت مين هو. بصيت لها. مين؟ قبل ما تجاوب سمعنا صوت ارتطام قوي فوق. ثم صوت زجاج بيتكسر. الرجل الغريب قال لازم نتحرك. أبويا قال لأ. قلت ليه؟ أشار للصفحة في إيدي. لأن الصفحة دي فيها الجزء اللي كنا بندور عليه من سنين. بصيت لها. في أسفل الصفحة كان فيه رقم هاتف قديم. وتحته جملة اتصل بهذا الرقم إذا أردت أن تعرف أين بدأ كل شيء. كريم قال الرقم ده ممكن يكون مفتاح للوصول لأخوكي. بصيت له. ثم لأبويا. اتصلوا. أبويا هز راسه. الرقم ده مش بيرد. جرب. كريم طلع موبايله واتصل. رن مرة. مرتين. ثلاث مرات. ثم جاء الرد. لكن الشخص اللي رد ما اتكلمش. كريم قال ألو؟ صمت. ثم جاء صوت رجل شاب مين معايا؟ أبويا اتجمد. وشه تغير بالكامل. قال بصوت مرتعش مستحيل قلت مين؟ أبويا قرب من الهاتف. وقال أنا أبوك. ساد الصمت. ثم جاء الرد لو أنت فعلًا أبويا قول اسم أمي. أبويا بدأ يبكي. وأنا لأول مرة أشوف أبويا يبكي بالشكل ده. قال اسمها سعاد. الصوت في الهاتف سكت. ثم قال كنت مستني اليوم ده من سنين. أنا كنت واقفة مش قادرة أتكلم. لأن الرجل اللي على الهاتف قال بعدها أنا عارف مين أخدني منكم. وقبل ما يكمل انقطع الخط. بصيت لأبويا. بابا قال أخوكي. ثم نظر ناحية خالتي. وأضاف واللي أخده كان أقرب شخص لينا كلنا الحقيقة اللي كانت مدفونة من سنين فضلت واقفة مش قادرة أستوعب. أخويا عايش. الجملة دي لوحدها كانت كفاية تقلب حياتي كلها. لكن كلام أبويا الأخير كان أخطر اللي أخده كان أقرب شخص لينا كلنا. بصيت له مين؟ أبويا سكت. قلت بابا، مين أخد أخويا؟ قبل ما يرد، سمعنا صوت حركة فوق. كريم بص للسقف. لسه موجودين. الرجل الغريب قال لازم نخرج من هنا فورًا. أبويا هز راسه. مفيش وقت. ثم بص لي وقال ندى، خدي الصفحة. قلت ليه؟ لأنها الدليل الوحيد اللي يقدر يوصلك لأخوكي. خدت الصفحة. وفي اللحظة دي، خالتي قالت في حاجة لازم تعرفيها قبل ما نخرج. بصيت لها. إيه؟ قالت أخوكي ما اتخطفش من الشارع. سكت. أمال؟ قالت خرج من البيت بإرادة شخص كان بيثق فيه. قلت طفل صغير يخرج مع حد ويختفي سنين؟ قالت كان وقتها صغير جدًا. أبويا قال واللي أخده كان عنده مفتاح البيت. بصيت للمفتاح اللي في إيدي. نفس المفتاح اللي لقيناه في غرفة حماتي. سألت المفتاح ده كان عند الشخص ده؟ أبويا هز راسه. أيوه. بصيت لحماتي. كانت ساكتة. قلت وإنتِ كان عندك المفتاح. قالت لأن أبوكي ادانيه. إمتى؟ من سنين. ليه؟ قالت عشان أحافظ عليه. سألتها بتحافظي على إيه؟ قالت على الحقيقة. وقبل ما أقدر أسألها أكتر، سمعنا صوت باب القبو بيتفتح. الرجل الغريب قال اتأخرنا. كريم أشار للباب السري. من هنا. دخلنا واحد ورا التاني. كان ممر ضيق، مليان تراب. أبويا كان ماشي بصعوبة، وكريم بيسنده. وأنا ماسكة الصفحة. في آخر الممر كان فيه باب حديد. فتحناه وخرجنا على شارع جانبي. ركبنا العربية. كريم قاد بسرعة. لكن أنا ماقدرتش أسكت. قلت لأبويا مين الشخص اللي أخد أخويا؟ بص من الشباك. لما كنا في القبو، ماقدرتش أقولك. ليه؟ لأن الشخص ده لسه قريب منك. قلبي انقبض. قريب مني إزاي؟ جدًا. من العيلة؟ سكت. بابا! قال أيوه. نظرت لعمي. كان ساكت. نظرت لخالتي. كانت بتبص للأرض. نظرت لحماتي. كانت دموعها نازلة. ثم بصيت لكريم. كان مركز في الطريق. قلت أنا عايزة أعرف. أبويا قال الشخص ده مش هو كريم. تنفست براحة بسيطة. لكن قبل ما أستوعب، أضاف ومش حماتك. بصيت له. أمال مين؟ قال الشخص اللي أخد أخوكي كان بيحاول وقتها يحمينا من شخص أخطر. سألته مين الأخطر؟ أبويا ما ردش. بعد دقائق، وصلنا لشقة صغيرة في منطقة هادية. دخلنا. أبويا قعد على كرسي، وأخذ نفسًا طويلًا. قال هنا هنكون آمنين. قلت دلوقتي هتقول لي الحقيقة؟ هز راسه. أيوه. أخرج من جيبه صورة قديمة. حطها قدامي. كانت صورة لأربعة أشخاص واقفين جنب بعض. أبويا. عمي فؤاد. خالتي. ورجل رابع. قربت الصورة من عيني. الرجل الرابع كان مألوفًا. لكن ماعرفتش أجيبه منين. قلبت الصورة. كان مكتوب خلفها قبل الليلة التي اختفى فيها ابني. سألت مين الرجل ده؟ أبويا قال هو آخر شخص شاف أخوكي قبل اختفائه. قلت اسمه إيه؟ أبويا قال الاسم. ولما سمعته تجمدت. لأن الاسم كان لشخص أنا قابلته بالفعل في ليلة فرحي. وبمجرد ما قلت مستحيل رن جرس الباب. مرة. ثم مرة ثانية. الجميع سكت. كريم وقف. وأبويا أشار لنا ما نتحركش. جرس الباب رن للمرة الثالثة. ثم جاء صوت من الخارج أنا جاي عشان أخد ندى. بصيت لأبويا. وهو قال بصوت منخفض محدش يفتح. لكن الصوت من الخارج قال يا ندى أنا عارف إن أبوكي معاكي. ثم سكت لحظة. وأضاف ولو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، لازم تسمعي التسجيل اللي معايا. تبادلنا النظرات. لأن الصوت كان صوت شخص كنت أظن طوال حياتي إنه مات التسجيل اللي رجّع شخصًا من الماضي فضلنا واقفين في مكاننا. ولا واحد فينا قدر ينطق. الصوت اللي ورا الباب كرر ندى أنا مش جاي أؤذيكي. أنا جاي أديكي حاجة أبوكي مستنيها من سنين. بصيت لأبويا. كان وشه متجمد. قلت بابا إنت تعرف الصوت ده؟ ما ردش. قربت منه مين؟ رفع عيني لي، وقال بصوت متقطع الشخص ده المفروض إنه مات. سكتنا كلنا. كريم قرب من الباب، لكن أبويا مسكه من ذراعه. ما تفتحش. كريم قال طيب نعمل إيه؟ أبويا أشار للموبايل. خليه يشغل التسجيل من ورا الباب. كريم قال بصوت عالٍ شغل التسجيل. ثواني مرت. ثم سمعنا صوت زر بيتضغط. وبعدها بدأ تسجيل قديم. صوت رجل كان واضح إنه بيتكلم وهو متوتر لو التسجيل ده وصل لندى، يبقى أنا فشلت إني أحميها بالطريقة اللي كنت مخطط لها. بصيت لأبويا. عينه كانت مليانة دموع. الصوت كمل ندى لازم تعرف إن اختفاء أخوها ماكانش حادثة عشوائية. كان فيه سبب وكان فيه شخص حاول يمحو كل أثر للحقيقة. توقّف التسجيل لحظة. ثم قال والسبب الحقيقي موجود في ملف اسمه التسجيل انقطع فجأة. صرخت إيه؟! الصوت من ورا الباب قال للأسف، الجزء ده اتشال من التسجيل الأصلي. أبويا قال مين شاله؟ جاء الرد الشخص اللي كان عايز يفضل الملف مدفون. كريم قال طيب ليه جاي دلوقتي؟ سكت الرجل لحظة. ثم قال لأن الملف ظهر تاني. بصيت للدفتر الأسود. وبعدين للصفحة. فجأة فهمت. الملف كان في الصندوق. أبويا هز راسه. أيوه. قلت ومين أخده؟ ما ردش. لكن الرجل اللي ورا الباب قال أنا. الكل اتصدم. أبويا وقف بصعوبة. إنت أخدت الملف؟ قال الرجل أيوه. ليه؟ عشان ما يقعش في إيد الشخص الغلط. أبويا قال بغضب وإنت فاكر إن اختفائك سنين كان حماية؟ ساد الصمت. أنا قربت من الباب. أنا عايزة أشوفك. أبويا قال ندى، لأ. قلت لازم. الرجل قال من الخارج افتحي الباب يا ندى. حطيت إيدي على المقبض. لكن قبل ما ألفه، سمعت صوت خطوات خلفنا. لفيت. عمي فؤاد كان واقف في آخر الصالة. قلت عمي؟ كان ماسك ظرفًا قديمًا. قال استني. بصيت له. إيه ده؟ قال النسخة الأصلية من الوصية. أبويا اتصدم. إنت كنت محتفظ بيها؟ هز راسه. أيوه. قلت وليه ما وريتهاليش؟ قال لأن الوصية فيها بند محدش كان يعرفه. قربت منه. بند إيه؟ فتح الظرف ببطء. أخرج ورقة صفراء قديمة. وبدأ يقرأ بعد وفاة صاحب الملكية، تنتقل الحقوق إلى... وتوقف. بص لي. ثم قال الاسم هنا مش اسمك يا ندى. قلبي دق بسرعة. أمال اسم مين؟ عمي لم يجاوب. أبويا قال لأن ده هو السبب اللي خلى أخوكي يختفي. سألت يعني أخويا هو الوريث؟ أبويا هز راسه. كان المفروض يكون. ثم أضاف لكن فيه شخص غيّر كل شيء. فجأة خبط الرجل الموجود خلف الباب ثلاث خبطات. أبويا اتجمد. قلت إيه معنى الخبطات دي؟ أبويا قال دي الإشارة اللي كنا بنستخدمها زمان لما يكون المكان آمن. الرجل خلف الباب قال افتحي يا ندى. مددت إيدي للمقبض. لكن قبل ما أفتحه وصلت رسالة على هاتفي. رقم مجهول. كانت صورة جديدة. صورة للرجل اللي واقف خلف الباب. وتحتها جملة لو فتحتي الباب، هتصدقي كذبة عمرها أكتر من عشرين سنة. رفعت عيني ببطء. ثم بصيت لأبويا. وقلت بابا مين اللي بعت الصورة دي؟ أبويا بص للموبايل. ولما شاف الصورة، وشه اتغير تمامًا. قال الشخص الوحيد اللي كنت متأكد إنه مش موجود أصلًا. وفجأة وصلت رسالة ثانية. اسألي أبوكي عن اللي حصل ليلة اختفاء أخوكي. رفعت عيني لأبويا. إيه اللي حصل يا بابا؟ سكت طويلًا. ثم قال أنا كنت هناك. فين؟ في نفس المكان اللي اختفى فيه أخوكي. وإنت عملت إيه؟ أبويا لم يجب. لكن عينيه كانت بتقول إن الحقيقة اللي لسه مخبيها أخطر من كل اللي عرفته لحد دلوقتي الليلة اللي اختفى فيها أخويا بصيت لأبويا وأنا مش قادرة أرمش. إنت كنت هناك؟ هز راسه ببطء. أيوه. ليلة اختفاء أخويا؟ أيوه. وعمرك ما قلت لي؟ نزل عينيه للأرض. كنت خايف. خايف من مين؟ سكت. قلت بابا، كفاية. رفع عيني وقال كنت خايف عليكي. مني؟ من الحقيقة. ساد الصمت. الرجل اللي ورا الباب قال قول لها يا سعيد. أبويا اتوتر أول ما سمع اسمه. إنت لسه هنا؟ الرجل رد مستنيك تخلص. بصيت لأبويا. مين سعيد؟ قال الرجل اللي بره. اتصدمت. إنت تعرفه؟ أيوه. وقلت إنه مات! أبويا سكت. الرجل قال من ورا الباب هو كان فاكر إني مت. قلت يعني إنت كنت عارف إنه عايش؟ أبويا قال عرفت من سنين. ليه خبّيت عني؟ لأن ظهوره كان هيعرضك للخطر. بصيت ناحية الباب. افتح له. أبويا حاول يمنعني. لأ. قلت أنا مش هفضل طول عمري عايشة وسط أسرار. كريم قال ندى، خليكي هادية. لفيت له. أنا هادية من أول ليلة فرحي، وكل ساعة فيها بتطلعلي سر جديد! سكت. أبويا قرب مني. اسمعيني الأول. اتفضل. قال الليلة اللي اختفى فيها أخوكي، كنت أنا وفؤاد وسعيد في البيت القديم. بصيت لعمي. كان ساكت. أبويا كمل كان فيه مستند مهم جدًا، وإحنا كنا بنحاول نخبيه. ليه؟ لأن حد كان عايز يستولي على الأرض. مين؟ أبويا قال شخص من العيلة. سألت مين؟ قال مش هقول اسمه قبل ما أتأكد. صرخت إنت لسه مش هتقول؟! عمي فؤاد قال لأن الشخص ده كان قريب من أخوكي جدًا. قلت يعني كان يعرفه؟ أكتر مما تتخيلي. أبويا كمل في الليلة دي، أخوكي دخل الغرفة وشاف المستند. وكان عمره كام؟ سبع سنين. حسيت بقلبي بيتوجع. وبعدين؟ سمعنا صوت باب بيتفتح. مين دخل؟ أبويا سكت. ثم قال الشخص اللي كان معاه. أخويا خرج معاه؟ أيوه. وإنتوا سبتوه؟ أبويا غمض عينيه. ماكناش نعرف إنه هياخده. قلت طب ليه ما رجعش؟ قال لأن الشخص ده اختفى هو كمان. فجأة، الرجل خلف الباب قال كفاية يا سعيد. أبويا رد إنت مش فاهم. لأ، أنا فاهم أكتر منك. بصيت لكريم. افتح الباب. كريم قرب من الباب. أبويا قال ندى قلت أنا لازم أشوفه. فتح كريم الباب. لكن الممر كان فاضي. مفيش حد. الرجل اختفى. على الأرض كان فيه جهاز تسجيل صغير. وفوقه ورقة. كريم التقطها. قرأها بصوت عالي لو عايزة تلاقيني، ما تدوريش عليّ دوري على أخوكي. وبجانب الورقة كان فيه مفتاح آخر. المرة دي كان عليه رقم 17. عمي قال ده مفتاح مخزن قديم. قلت فين؟ قال في محطة القطار. بصيت لكريم. مخزن 17؟ هز راسه. أيوه. قلت وإحنا كنا رايحين لمخزن 27. عمي قال يبقى اللي حصل في 27 كان مجرد تشتيت. حماتي فجأة قالت لازم نروح 17. كلنا بصينا لها. قلت إنتِ تعرفي إيه عن المخزن ده؟ حماتي سكتت. ثم قالت كنت بروح هناك زمان. مع مين؟ مع أبوكي. أبويا بص لها باستغراب. إنتِ كنتي بتروحي هناك؟ قالت أيوه. سألتها وليه؟ نظرت لي. عشان نقابل شخص كان بيساعدنا نبحث عن أخوكي. سألت مين؟ قالت أخوكي نفسه. تجمدت. إنتِ شوفتيه؟ هزت راسها. مرة واحدة. إمتى؟ قالت من حوالي عشر سنين. صمت الجميع. أنا ماقدرتش أتكلم. ثم سألتها وإنتِ ماقولتيش لبابا؟ قالت أبوكي كان عارف. بصيت لأبويا. كان ساكت. قلت بابا إنت كنت عارف إن أخويا عايش من عشر سنين؟ هز رأسه. أيوه. شعرت إن كل حاجة جوايا انهارت. قلت وإنت خليتني أعيش كل السنين دي وأنا فاكرة إن ماعنديش أخ؟ قال كنت بحاول أوصله بطريقة تحميه وتحميكي. قلت ومين كان بيحميه؟ أبويا قال الشخص اللي بره الباب. ثم أضاف وسعيد هو الوحيد اللي يعرف مكانه الحقيقي. في اللحظة دي، فهمت إن مفتاح رقم 17 مش مجرد مفتاح مخزن. كان ممكن يكون أول خيط يوصلني لأخويا. لكن قبل ما نتحرك وصلت رسالة جديدة على موبايلي. فتحتها. وكان فيها عنوان واحد فقط. مخزن 17 الساعة 1230. وبدون اسم. وبدون أي تفسير. نظرت للساعة. كانت 1208. ولأول مرة حسيت إن العد التنازلي الحقيقي بدأ النهاية وصلنا محطة القطار القديمة قبل الساعة 1230 بدقائق. مخزن رقم 17 كان في آخر رصيف مهجور، وبابه الحديدي مقفول بقفل صدئ. دخل كريم المفتاح. اتفتح الباب. دخلنا. في البداية، المكان كان مظلم تمامًا. لكن فجأة اشتغل نور صغير في آخر المخزن. وتحت النور كان واقف شاب. بمجرد ما شفته، أبويا وقف مكانه. الشاب قال بابا؟ أبويا ماقدرش يتحرك. ثم مشى ناحيته ببطء. ياسين؟ الشاب ابتسم والدموع في عينيه. أنا. انهار أبويا في حضنه. وأنا كنت واقفة مش قادرة أستوعب. ده أخويا. أخويا اللي عشت عمري كله فاكرة إنه اختفى للأبد. قربت منه. قال ندى؟ هزيت راسي وأنا ببكي. أيوه. ابتسم وقال كنت بشوف صورك طول السنين دي. سألته مين أخدك؟ بص لأبويا. ثم قال الشخص اللي أخدني ماكانش عايز يأذيني. كلنا اتفاجأنا. قال كان بيحاول يبعدني عن ناس كانوا عايزين يوصلوا للورق. بصيت لأبويا. يعني كل السنين دي قال ياسين أنا كنت عايش مع ناس حمتني، لكن ماكنتش فاهم الحقيقة كاملة. ثم أخرج ملفًا قديمًا. لحد ما كبرت، وبدأت أدور بنفسي. فتح الملف. وكان فيه المستند الأصلي، والوصية، وكل الأوراق اللي أبويا كان بيدور عليها. لكن المفاجأة كانت في آخر ورقة. كان فيها اسم الشخص اللي غيّر الوصية. رفعت عيني. الاسم كان عم فؤاد. التفتنا كلنا إليه. عمي كان واقف ساكت. ثم قال أنا غيرت جزء من الوصية. أبويا صرخ ليه؟! قال لأنني كنت فاكر إن ده هيحمي ندى وياسين من النزاع. ثم أخرج من جيبه الصفحة المفقودة. لكن لما اكتشفت إن الموضوع كبر، حاولت أصلح كل حاجة. بصيت له. وإنت اللي كنت بتراقب البيت؟ قال أيوه. وإنت اللي كنت بتخوفنا؟ كنت بحاول أمنع الناس اللي بتدور على الأوراق من الوصول ليكم. بصيت لأبويا. وليه ما قلتليش الحقيقة؟ أبويا قال لأننا كلنا أخطأنا لما افتكرنا إن حمايتك معناها نخبي عنك الحقيقة. سكتنا. بعدها بأيام، اتراجع كل شيء للجهات القانونية، واتثبتت ملكية الأرض حسب الوصية الأصلية. أما ياسين، فقرر يبدأ حياته من جديد وسط عيلته. وبالنسبة لي أكتر حاجة اتغيرت بعد الليلة دي ماكانتش الأرض، ولا الفلوس، ولا الأسرار. كان جوازي. كريم وقف جنبي طول الأزمة، ولما عرف إني كنت شاكّة فيه، ما زعلش. قال لي أنا كان ممكن أقولك كل حاجة من أول يوم، بس وعدت أبوكي أحميكي. يمكن الطريقة كانت غلط لكن عمري ما كنت ضدك. بصيت له وقلت وأنا مش عايزة أعيش تاني وسط أسرار. ابتسم وقال وأنا كمان. وبعد شهور، رجع بيتنا هادي. حماتي بقت أقرب لي من الأول، لأنها أخيرًا حكت لي كل اللي كانت تعرفه. وخالي فؤاد اعترف بخطئه، وبدأ يصلح كل اللي أفسده. أما أبويا فكان أكتر شخص اتغير. في يوم جمعنا كلنا وقال أنا قضيت سنين أحاول أحمي ولادي من الحقيقة، واكتشفت إن الحقيقة لما تتخبى بتوجع أكتر من أي خطر. بصيت لياسين. ثم لأبويا. ثم لكريم. وفهمت أخيرًا إن ليلة فرحي، اللي بدأت بحماتي وهي بتنام في أوضتي، ماكانتاش بداية كارثة زي ما افتكرت. كانت بداية كشف أسرار عيلة كاملة وأكبر مفاجأة في حياتي إن الشيء اللي خفت منه في البداية، ماكانش خيانة ولا مؤامرة بين أقرب الناس لي. كان مجرد سر قديم اتخبّى سنين طويلة، لحد ما جه يوم واتكشف. ومن يومها، بقيت أؤمن بحاجة واحدة أحيانًا الحقيقة بتوجع في لحظتها لكنها أرحم بكتير من إنك تعيشي عمرك كله وسط كذبة.