بعد ما صرفت على جوزى واهله
بعد ما صرفت على جوزي وأهله أكتر من ٣ سنين، حماتي قفلت عليّ باب الأوضة بالسلسلة، ورشت بنزين تحت الباب، وقالت وهي بتولّع عود كبريت إنتِ خدمتينا وإنتِ عايشة ودلوقتي هتخدمينا وإنتِ ميتة. لكنها ما كانتش تعرف إن مكالمة واحدة على ١٢٢، وكاميرا صغيرة مستخبية، هيخلوا الليلة دي آخر ليلة حرية في حياتهم
نامي يا نيرمين بكرة الصبح هيبقى تمن جثتك أربعين مليون جنيه.
وصلني صوت حماتي سامية من ورا باب أوضة النوم
وفي نفس اللحظة سمعت صوت السلسلة الحديد وهي بتتقفل من برّه.
اتجمد الدم في عروقي.
ريحة البنزين بدأت تخنقني قبل حتى ما أشوفه.
بصيت حواليّا
الأرض.
الستاير.
الباب.
كل حاجة كانت متغرقة بنزين.
الساعة كانت اتنين وربع بعد نص الليل.
لكن سامية ما كانتش تعرف إنّي ما كنتش واقفة جوه الأوضة
كنت واقفة في بلكونة الخدمة، ورا باب زجاج مصفح، وماسكة موبايلي بإيدي، فاتحة تسجيل، وكمان على الخط مع النجدة.
قلت لها بصوت ثابت رغم إن قلبي كان هيقف
بجد يا طنط هتحرقيني عشان ديون ابنك؟
ضحكت
الضحكة دي عمري ما هنساها.
ضحكة واحدة كانت كفاية تعرفني إن الست دي عمرها ما شافتني بني آدمة.
قالت بمنتهى البرود
كريم خسر عشرين مليون جنيه في القمار وتأمين حياتك بأربعين مليون. هنسدد ديونه، والباقي نعيش بيه ملوك. وإنتِ أصلًا مالكيش أهل ولا حد هيسأل عليكي.
غمضت عيني
مش من الخوف
لكن عشان أتأكد إن التسجيل جاب كل كلمة.
وفجأة
وسط صوت البنزين
طلع صوت صريخ هستيري من جوه الأوضة.
يا ماااما افتحي أنا دينا!
ساد صمت مرعب.
حتى سامية نفسها اتخرست.
لأن الصوت
ماكانش صوتي.
من تلات سنين
كنت فاكرة إن ربنا أخيرًا قرر يعوضني.
أنا نيرمين.
بنت ملهاش أب ولا أم.
كبرت في دار أيتام، وماكنش عندي غير حلم واحد
أثبت لنفسي إن الفقر واليُتم مش نهاية الدنيا.
اشتغلت في كوافير وأنا عندي ١٨ سنة.
الصبح شغل
وبالليل دراسة.
كل بقشيش كنت باخده كنت بحوشه.
لحد ما فتحت أول مركز تجميل.
وبعده التاني.
وبعده التالت.
وبقيت اسمي معروف وسط أكبر سيدات
الأعمال والفنانات.
كان معايا فلوس
وشهرة
واحترام.
لكن كان ناقصني إحساس واحد
العيلة.
ولما قابلت كريم
افتكرت إني أخيرًا لقيتها.
كان بيتكلم بهدوء
بيهتم بأصغر تفصيلة
ولما مرضت أول مرة بعد خطوبتنا، فضل قاعد جنبي لحد الصبح.
وأمه سامية؟
حضنتني أول يوم وقالت
من النهارده إنتِ بنتي والبيت ده بيتك ومحدش هيخليكي تحسي بالوحدة تاني.
يا ريتني كنت فهمت وقتها
إن في ناس الحضن عندها بيبقى أول خطوة قبل الغدر.
بعد الجواز
اشتريت فيلا فخمة في التجمع.
وكريم طلب مني إن أمه وأخته دينا يعيشوا معانا كام شهر لحد ما يظبطوا ظروفهم.
وافقت
من غير تفكير.
الشهور بقت سنين.
وأنا اللي بدفع كل حاجة.
العربية
المصاريف
السفر
الكريديت كارد
حتى هدومهم ومجوهراتهم.
كريم ساب شغله بحجة إنه هيفتح شركة استثمار.
لكن عمره ما كان بيروحها.
كان بيصحى الضهر
وينزل يقعد في الكافيهات
ويرجع يطلب مني تحويل جديد.
أما سامية
فكانت بتعمل عزومات كل أسبوع في الفيلا
وتعرف الناس على البيت كأنه بيتها هي.
ودينا؟
كانت تدخل أوضة هدومي من غير استئذان
تلبس فساتيني
وتاخد شنطي
وترجعها مبهدلة.
ولو اتكلمت
يبصوا لبعض ويضحكوا.
دي بنت الملجأ نسيت أصلها بعد ما الفلوس لعبت معاها.
وكل مرة أشتكي لكريم
كان يمسك إيدي ويقول
حقك عليّا هكلمهم.
لكن تاني يوم
كان يطلب مني ملايين جديدة عشان مشروع مهم.
وأنا
كنت بشتغل ١٢ ساعة كل يوم
وهم بيصرفوا تعبي في مطاعم وسفر وسهر.
لحد ما في يوم
باب العيادة اتفتح
ودخل أكتر من عشر رجال دفعة واحدة
وقال واحد منهم بصوت هز المكان كله
فين كريم؟!
قوليله العشرين مليون اللي علينا يا يدفعهم النهارده
يا يستعد يشوف جحيم عمره ما شافه!
الجزء الثاني
ساعتها
الدنيا كلها سكت حواليّا.
الممرضات بصوا لبعض بخوف
والعملاء اللي كانوا مستنيين دورهم خرجوا من العيادات وهم مرعوبين.
أما أنا
فكنت واقفة مش قادرة أستوعب.
بصيت للراجل وقلت
حضرتك أكيد غلطان كريم عمره ما قال لي إنه مديون.
ضحك بسخرية، ورمى رزمة أوراق فوق مكتب الاستقبال.
غلطان؟
يبقى شوفي دي.
مسكت الأوراق
وأول ما بصيت فيها، رجلي ما بقتش شايلاني.
كمبيالات
وإيصالات أمانة
وعقود دين
كلها باسم كريم.
وكلها بمبالغ خيالية.
وفي آخر ورقة
كان الرقم اللي خلاني أحس إن قلبي وقف.
20000000 جنيه.
عشرين مليون
مش عشرين ألف.
ولا حتى مليون.
عشرين مليون جنيه قمار.
قمار بس.
في اللحظة دي
حسيت إن السنين اللي فاتت كلها كانت كذبة.
رجعت البيت وأنا ماسكة الملف بإيدي.
كنت لسه بدور على أي مبرر.
يمكن اتنصب عليه.
يمكن مضى وهو مش فاهم.
يمكن في تفسير.
لكن أول ما دخلت الفيلا
لقيت كريم قاعد قدام التلفزيون بيتفرج على ماتش.
ولا على وشه ذرة قلق.
رميت الملف قدامه.
قلت بهدوء
إيه ده؟
فتح أول ورقة
وبعدين رفع عينه ليّا.
ولا حتى حاول ينكر.
قال بكل برود
آه دي شوية مشاكل وهتتحل.
بصيت له مذهولة.
شوية مشاكل؟!
إنت مديون بعشرين مليون جنيه!
رد وهو بيقلب في الماتش
بلاش صوتك يعلى.
في اللحظة دي
دخلت سامية من المطبخ كأنها كانت مستنية.
بصت على الورق
وبعدين بصت عليّا وقالت
هو يعني إيه المشكلة؟
إنتِ معاكي فلوس.
افتكرت إنها بتهزر.
قلت
يعني إيه؟
قالت بمنتهى الجدية
بيعي عيادتين
وسددي ديون جوزك.
ما هو الراجل ما ينفعش يقع.
بصيت لها مش مصدقة.
أنا أبيع شغل عمرى
عشان أسدد فلوس قمار؟
ردت وهي رافعة حاجبها
أمال فايدة الزوجة إيه؟
لما جوزها يقع تشيله.
لفيت ناحية كريم.
كنت مستنية كلمة واحدة.
أي كلمة.
حتى لو اعتذار.
لكنه قال
ماما عندها حق.
في اللحظة دي
حسيت إن آخر حاجة كانت بتربطني بالبيت ده ماتت.
طلعت أوضتي
وقعدت أبص في كل ركن.
كل حاجة اشتريتها بعرقي.
النجفة.
السجاد.
اللوحات.
حتى العربية اللي كريم بيركبها
أنا اللي دفعت تمنها.
وأنا الوحيدة اللي كنت فاكرة إننا عيلة.
تاني يوم الصبح
لغيت كل الكروت البنكية اللي معاهم.
وقفت كل التحويلات.
وجبت محامي.
ورفعت قضية خلع وتقسيم ممتلكات.
وبالليل
جمعتهم كلهم في الصالون.
وقلت بمنتهى الهدوء
قدامكم أسبوع
وتسيبوا بيتي.
سامية قامت واقفة وهي بتزعق
إنتِ بتطردينا؟
قلت
لا
برجع بيتي.
كريم حاول يمثل إنه هادي.
وقال
هتهدي وتراجعي نفسك.
بصيت له لأول مرة من غير حب
ولا شفقة
ولا خوف.
وقلت
لا
أنا أخيرًا فوقت.
خرجت من الصالون
لكن ماكنتش أعرف
إن القرار ده
هو اللي خلاهم يقرروا إن وجودي نفسه بقى خطر عليهم.
وإن بعد سبع أيام بالظبط
حماتي هتدخل عليّ بابتسامة مزيفة
وفنجان أعشاب
ووثيقة تأمين على حياتي قيمتها
أربعين مليون جنيه.
الجزء الثالث
عدّى أسبوع
ولا واحد فيهم خرج من الفيلا.
على العكس
بقوا بيتعاملوا معايا بهدوء غريب.
الهدوء اللي بيخوف أكتر من الخناق.
سامية بقت تبتسم في وشي.
ودينا بطلت تدخل أوضتي.
أما كريم
فبقى يتكلم معايا بمنتهى الرقة، كأن كل اللي حصل ماكانش موجود.
لدرجة إني بدأت أحس إن في حاجة مستخبية.
وفي صباح اليوم السابع
خبطت سامية على باب مكتبي.
دخلت وهي شايلة صينية فضة.
عليها كباية شاي بالأعشاب
وملف أزرق.
ابتسمت وقالت
أنا فكرت في كلامك يا بنتي
ويمكن فعلًا إحنا ظلمناكي.
بصيت لها من غير ما أرد.
قربت الملف مني.
وقالت
دي وثيقة تأمين على حياتك.
أي ست ناجحة لازم تأمن على نفسها.
فتحت الملف
ولأول مرة في حياتي حسيت إن جسمي تلج.
قيمة التأمين أربعون مليون جنيه.
والمستفيد الوحيد
زوجي كريم.
رفعت عيني وبصيت لها.
ابتسمت وهي بتقول
دي مجرد إجراءات احتياطية.
لكن أنا ماكنتش ببص للورق
كنت ببص للأرقام.
عشرين مليون ديون
وأربعين مليون تأمين.
المعادلة كانت واضحة جدًا.
لو أنا مت
هم هيقبضوا ضعف اللي عليهم.
ابتسمت
وقلت بمنتهى الهدوء
طبعًا هوقّع.
سامية اتفاجئت بسهولة موافقتي.
أما أنا
فكنت خلاص فهمت.
أنا ما بقيتش زوجة بالنسبة لهم.
أنا بقيت مشروع تعويض.
وقّعت الورق
وسلمتهولها.
وشوفت الفرحة في عينيها وهي خارجة من المكتب.
أول ما الباب اتقفل
الابتسامة اختفت من وشي.
طلعت موبايلي
واتصلت بأول شخص وثقت فيه من سنين.
أستاذ حسام
أنا محتاجة أفضل محامي تعرفه.
وبعدها بنص ساعة
كنت قاعدة في مكتب المحامية نهى عزام.
حكيت لها كل حاجة.
من أول الديون
لحد وثيقة التأمين.
بصت لي وقالت بهدوء
لو إحساسك صح
إنتِ في خطر حقيقي.
سألتها
أعمل إيه؟
قالت من غير تردد
ما تواجهيهمش
خليهم فاكرين إنك مش شاكّة في حاجة.
خرجت من عندها
لكن ما روحتش البيت.
روحت لشخص تاني.
راجل كان زمان ضابط مباحث
ودلوقتي شغال محقق خاص.
اسمه
العميد شريف منصور.
بعد ما سمع القصة
فضل ساكت
لمحة نيوز