جوزى

جوزي المفروض إنه مات بالسرطان من خمس سنين… لكن وأنا راجعة من سفرية شغل، شوفته بعيني عايش في المطار، واقف بيحضن أمه وبيشيل شنطة ست تانية!
اتصلت بحماتي وأنا مش مستوعبة اللي شوفته، فقالتلي بمنتهى البرود: “إنتِ أكيد اتلخبطتي يا بنتي… ده مستحيل يكون هو.”
ما عملتش خناقة، ولا فضحتهم، ولا حتى قربت منه. طلعت موبايلي وصورت كل حاجة… وبعدين اتصلت بمحامي. بس عمري ما كنت أتخيل إن اللي مستخبي تحت القبر اللي كنت بزوره كل شهر، أخطر بكتير من مجرد خيانة أو جواز سري.
كنت لسه راجعة من دبي، بعد ما قضيت حوالي تلات أسابيع هناك بخلص صفقة مهمة جدًا للشركة اللي أنا وجوزي أسسناها سوا.
وصلت المطار حوالي الساعة أربعة العصر. المكان كان زحمة بشكل يخلي الواحد مش شايف قدامه من كتر الناس والشنط والعربيات. وفجأة… وسط الزحمة، عيني وقعت على شخص. في الأول مخي رفض يستوعب. لكن جسمي عرفه قبل عقلي. البدلة الكحلي. كتفه اليمين اللي كان دايمًا نازل سنة صغيرة عن الشمال. والحركة اللي كان بيعملها من غير ما يحس… يفرك طرف كم القميص بإبهامه.
الشنطة وقعت من إيدي. فضلت واقفة مكاني ثواني، وأنا حاسة إن الأرض بتلف بيا. ده كان كريم. جوزي. الراجل اللي أنا عشت خمس سنين كاملة وأنا مقتنعة إنه مات. الراجل اللي قالولي إنه مات بالسرطان. أنا بنفسي شوفته وهو بيموت قدام عيني في مستشفى خاص. أربع شهور كاملة وأنا بتفرج عليه يوم ورا يوم وهو بيضعف. وقعت أوراق وفاته. واخترنا شكل التابوت. وبعدين استلمت الرماد اللي قالولي إنه رماده، ودفنته في مقابر عيلته. خمس سنين… كل شهر من غير ما أتأخر مرة واحدة، كنت بروح أزور قبره. خمس سنين وأنا عايشة على ذكرى راجل طلع واقف قدامي دلوقتي… عايش.
“كريــــم!” صرخت باسمه من غير ما أفكر. هو وقف لحظة. مجرد لحظة. كأنه سمع صوتي. وبعدين كمل مشيه ولا كأنه سمع حاجة. جريت وراه لحد باب المطار. وهناك شفت حماتي. أم كريم. كانت قاعدة جوه عربية سودا، شعرها الفضي متسرح بعناية، وعلى وشها ابتسامة ما شوفتهاش من يوم موت ابنها المزعوم. لكن اللي خلاني أتجمد مكاني… إن الراجل اللي قدامي لمس إيدها بمنتهى الألفة. زي ابنها بالظبط.
اتستخبيت ورا عمود، ووقفت تاكسي بسرعة. وأشرت للسواق على العربية: “شايف العربية السودة دي؟ امشي وراها… ولو ما ضيعتهاش هديك تلتمية جنيه زيادة.” السواق بصلي في المراية باستغراب: “حاضر يا مدام.”
العربية مشيت وإحنا وراها. فضلنا نعدي شوارع كتير لحد ما وصلنا ناحية العين السخنة. وساعتها بدأت أفهم إن اللي أنا شايفاه مش هلوسة من التعب ولا تشابه غريب. أنا فعلًا كنت بتابع جوزي اللي المفروض إنه ميت.
العربية وقفت عند مكان ترفيهي كبير. نزلت حماتي. ونزل كريم. وبعد دقايق وصلت ست شابة، شكلها في أواخر العشرينات، ومعاها طفل صغير تقريبًا عنده خمس سنين. الست أول ما شافت كريم جريت عليه وحضنته. وهو… باسها على جبينها. حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
لكن اللي حصل بعدها كان كفيل إنه يهد كل حاجة جوايا. الطفل جري ناحية كريم وهو بيضحك: “بابااا!” كريم فتح دراعه وشاله لفوق، والطفل فضل يضحك وهو ماسك في رقبته. وأنا كنت واقفة بعيد… بتفرج على جوزي الميت وهو بيلعب مع ابنه. ابنه! بصيت للولد كويس. وكان فيه تفصيلة صغيرة جدًا… بس أنا أعرفها كويس. غمازة في خده اليمين. نفس الغمازة بالظبط اللي كانت موجودة في كل صور عيلة كريم. نفس غمازة أبوه.
في اللحظة دي موبايلي رن. حماتي. بصيت ناحية مكانها. كانت قدامي على بُعد أقل من خمسين متر. وفي نفس الوقت كانت بتكلمني بصوت حنون جدًا: “ألو يا حبيبتي، وصلتي بالسلامة؟ أنا عاملالك أكل وحاطاه على النار. عارفة إنك أكيد تعبانة من السفر.” بصيت لها وهي بتضحك وبتنضف وش الطفل من الآيس كريم بإيدها… وهي بتكلمني كأن ابنها مات من خمس سنين فعلًا. كأن مفيش أي حاجة غريبة بتحصل قدامي.
بلعت ريقي وقلت: “حصل ظرف في الشغل يا ماما… مش هقدر أجيلك النهارده.” “يا حبيبتي إنتِ بتشتغلي زيادة عن اللزوم. خلي بالك من نفسك. تعالي بكرة… أنا وحشتيني.” قفلت المكالمة.
وبدل ما أنهار… طلعت موبايلي. وصورت. صورة ورا صورة. العربية. كريم. الست. الطفل. وحماتي. ما عيطتش. الغريب إني ما عيطتش خالص. يمكن لأني كنت خلصت كل دموعي من خمس سنين… على راجل اكتشفت في لحظة إنه كان عايش طول الوقت.
الليلة دي ما رجعتش شقتي. روحت فندق بعيد عن بيتي، وحجزت أوضة باسم مختلف. وبمجرد ما دخلت، اتصلت بمساعدتي، نادين: “نادين، أنا عايزاكي تجيبيلي رقم العربية السودة دي، وتعرفيلي مين كان موجود النهارده في المكان ده، وأي حجز مهم أو تسجيل لكريم… أو لأي راجل شبهه.” سكتت ثانيتين. وبعدين سألتني: “في حاجة حصلت؟” “متسأليش دلوقتي… بس عايزاكي تعملي اللي قلتلك عليه.” “حاضر.”
نادين ما سألتش تاني. بعد الساعة اتناشر بالليل بشوية، بعتتلي الملف. فتحته وأنا قاعدة على السرير، وصور النهار لسه قدامي على شاشة موبايلي. أول معلومة كانت كفاية تخليني أعرف إن حماتي كدبت عليا. العربية السودة كانت متسجلة رسميًا باسم… حماتي. لكن تحت اسم العربية مباشرة ظهر اسم تاني. اسم أنا عمري ما شوفته قبل كده خلال الخمس سنين اللي قضيتهم وأنا بروح أزور قبر كريم. اسم ملوش أي علاقة بالاسم المكتوب على القبر. وقتها حسيت إن الموضوع مش خيانة. ومش جواز تاني. ومش حتى مجرد تزوير موت. كان فيه سر أكبر بكتير مستخبي ورا القبر ده. وساعتها فهمت… إني طول الخمس سنين اللي فاتوا، ما كنتش بعيط على جوزي اللي مات. كنت بعيط على كذبة كاملة… وكنت أنا آخر واحدة عارفة الحقيقة.
—
**الفصل الثاني: ما بعد القبر**
الساعة كانت اتنين بالليل، وضوء الشاشة الأزرق منعكس على وشي وأنا بقلب في الملف اللي نادين بعتته. الاسم اللي مكتوب تحت اسم حماتي كان زي الصاعقة: يوسف عبد الحميد. رقم الهوية الوطنية في الملف خلاني أفتح عينيا على أخرها. بحثت بسرعة عن الاسم والسجل الجنائي. مكنش مجرد مدرب رياضي أو موظف عادي زي ما كنت متخيلة… السجل كان فيه قضايا قديمة تخص التلاعب بأوراق رسمية، وتزوير تصاريح استخراج جثث وشهادات دفن في قضايا مالية معقدة.
يعني كريم مكنش بيموت أصلاً من خمس سنين. مستشفى خاص، دكتور فاسد، تقارير طبية مزورة، و”رماد” اتبعت في تابوت مقفل بإحكام عشان محدش يفتحه. كل ده اتعمل بليل، وباتفاق كامل بين كريم وأمه… والمحامي بتاع العيلة!
مسكت التليفون وكلمت محامي الشركة القديم، وأقرب شخص أثق فيه، أستاذ رائف: “أستاذ رائف، أنا آسفة إني بكلمك في الوقت المتأخر ده، بس أنا محتاجاك بكرة الصبح بدري بطلب استخراج تصريح معاينة وتفتيش عاجل، ومعايا أدلة مصورة ووثائق تثبت وجود تزوير في أوراق رسمية لوفاة شخصية عامة.” رائف سكت ثانية، وصوته جه جاد وناشف: “تقصدي مين يا بنتي؟ جوزك المرحوم؟” “المرحوم طلع حي يا أستاذ رائف… وكريم عايش، بيكبر ابن عنده خمس سنين، وعايش حياته طبيعي جداً، واللي في المقبرة دي مجرد “لعبة” كتموا بيها سر كبير.”
—
**الفصل الثالث: اقتحام الحقيقة**
تاني يوم، الساعة عشرة الصبح، كنت واقفة قدام المقبرة ومعايا محضر رسمي من النيابة وقوة أمنية مصغرة، ومعانا خبير بصمات وأدوات حفر. حماتي وكريم مكنوش يعرفوا إنهم متراقبين. كنت عاملة حسابي إن أي تحرك غلط هيخليهم يهربوا برا البلد، عشان كدا الضربة لازم تكون سريعة وقاطعة.
لما وصل كريم وأمه ومعاهم محامي العيلة (اللي اتفاجئ بوجود الشرطة)، وشي كان هادئ تماماً، بارد، أثقل من الجبل. كريم اتجمد مكانه لما شافني واقفة وسط ظباط الشرطة، وعينه وسعت بصدمة مرعبة. صوته طلع متهدج ومرتعش: “س… سما؟! إنتِ… إنتِ بتعملي إيه هنا؟!” بصيت له نظرة خلت الدم يقف في عروقه، وقلت بصوت صارم: “بستقبل الجزي اللى المفروض مات من خمس سنين يا كريم… بس للأسف، لقيتك عايش برة، وجاي أتاكد بنفسي من اللي مستخبي تحت الطوب ده.” حماتي انهارت تماماً وصصرخت في وش الضابط: “دي مجنونة! البنت دي هربانة من عقلها! ابعدوا عنها!”
“افتحوا القبر.” الكلمة طلعت مني قاطعة زي السيف. العامل بدأوا يكسروا البلاط بحذر، ومع كل دقة شاكوش، صوت قلبي كان بيعلى. كريم كان بيحاول يقرب بس العسكري منعه. ووشه بقى أصفر باهت تماماً، كأنه شاف ملك الموت بجد المرادي مش تمثيل.
اتشال الغطاء الخرساني… وبعدين اتفتح التابوت الخشبي. الكل رجع لورا بسبب ريحة التراب… بس مكنش فيه جثة. كان فيه شنطة جلد سوداء قديمة، مربوطة كويس ومقفولة بقفل أرجواني. الظابط نزل جاب الشنطة وفتحها قدامي. فتحت عيني بصدمة وأنا باصص جوه الشنطة: ملفات مالية ضخمة، عقود أراضي مسجلة بأسماء وهمية، شيكات بملايين الجنيهات باسم “كريم” وباسم شركة تانية خالص، وأهم حاجة… جواز سفر بأسماء مستعار، وتاني صفحة فيها مستندات تخص اختلاس أموال الشركة اللي أسسناها سوا قبل وفاته المزعومة بخمس شهور!
بصيت لكريم اللي كان منهار على الأرض، وبيحاول يبرر: “سما… اسمعيني… الموضوع مش زي ما انتي فاكرة! أنا مكنتش بموت بالسرطان، أنا كنت هارب! ناس خطر كانوا عايزين يصفوني بسبب الشغل القديم، وحماتي والاتفاق مع المحامي هو اللي أنقذ حياتي! الموت كان الطريقة الوحيدة عشان يحسوا إن الفلوس والملفات ضاعت ويمسحوا ديوني!” “تضحي بيا؟ تخليني ألبس الأسود خمس سنين؟ تخليني أروح كل شهر أزور قبر وهمي وأنا مقطوعة من شجرة وماليش غيرك؟”
قربت منه خطوة، ورميت في وشه صورته وهو بيلعب مع ابنه والست التانية في العين السخنة، وكملت بصوت هادئ ومخيف: “والمزّة وابنك؟ دول كمان كانوا جزء من خطة الهروب الخطرة يا كريم؟ ولا دي كانت “الزوجة التانية” اللي ورثت كل الفلوس اللي سرقتها من شركتنا؟!”
—
**الفصل الرابع: النهاية المغلقة**
في النيابة، التحقيقات فضحت شبكة كاملة من التزوير المالي، وغسيل الأموال، وتزييف الأوراق الرسمية. كريم اتوجهت ليه تهم التزوير العمدي، النصب، الهروب من أحكام، واختلاس أموال شركة بحجم كبير، واتحبس على ذمة التحقيقات في قضية جنائية كبرى مالهاش خروج. حماتي ومحامي العيلة اتقبض عليهم بتهمة المشاركة في التزوير وتضليل العدالة وإخفاء مجرم. أما الست التانية وابنها، فظهر إنها جوازة سرية تمت قبل “الموت المزعوم” بشهر واحد، وكانت جزء من خطتهم لتأمين مستقبله بفلوس شركتي اللي اتسرقت.
بعد أسبوعين من الليلة دي، كنت واقفة قدام المقبرة المفتوحة للمرة الأخيرة. العمال كانوا بيقفلوا الحفرة بالخرسانة والأسمنت للأبد. رميت بوكيت الورد الأبيض اللي كنت جاباه معايا على الأرض، وبصيت للمكان نظرة أخيرة بلا دمعة واحدة، بلا حزن، وبلا أي ذرة الندم. ركبت عربيتي، وبصيت لنفسي في المراية، وابتسمت بهدوء. الراجل اللي كنت مزعلة نفسي عشانه مات بجد النهاردة… بس الست القوية اللي أنا بقيتها دلوقتي، مستحيل حد يضحك عليها تاني أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *